تقطير ماء الزهر تراث نسائي ينبض بروح مراكش

ما تزال المغربيات يحافظن على سرّ التقطير، محوّلات نبتة بسيطة إلى منتوج عطري يحمل قيمة حضارية كبيرة.

مراكش – في صباح ربيعي مشبع بعبق الأزهار ونفحات الروحانية، احتضنت المدينة العتيقة لمراكش، يوم الجمعة 27 مارس 2026، مراسيم تقليدية لتقطير ماء الزهر برحاب ضريح الولي الصالح ''سيدي أبي العباس السبتي''، في إطار فعاليات الدورة الرابعة عشرة لتظاهرة "زهرية مراكش"، التي أضحت موعدا سنويا بارزا للاحتفاء بواحد من أعرق التقاليد المغربية المتجذرة في الذاكرة الجماعية.

واختارت جمعية "منية مراكش لإحياء تراث المغرب وصيانته" تنظيم هذه الفعالية بحي الزاوية العباسية، في أجواء امتزج فيها البعد الروحي بالعمق الثقافي، حيث استحضرت رمزية المكان المرتبط بالذاكرة الصوفية للمدينة.

وفي هذا الفضاء التاريخي، يتقاطع عبق زهرة النارنج مع طقوس روحانية متوارثة، تمنح لهذا الحدث طابعه الفريد، وتجعل منه لحظة احتفاء جماعي بحلول فصل الربيع وتجدد الحياة.

ويعكس هذا التقليد العريق مدى ارتباط الأسر المراكشية بموروثها الثقافي، حيث يشكل تقطير ماء الزهر مناسبة سنوية تتجدد فيها قيم التآلف والتشارك، كما يعكس في الآن ذاته حرص الفاعلين المحليين على تثمين هذا التراث وتعزيز إشعاع المدينة الثقافي والسياحي، باعتبارها إحدى الحواضر المغربية الغنية بتقاليدها المتنوعة.

ويكتسي تقليد تقطير ماء الزهر مكانة خاصة في الوجدان المغربي، إذ يرتبط بتاريخ طويل من الممارسات التي حافظت عليها النساء عبر الأجيال. فقد استطاعت المرأة المغربية، رغم التحولات الاجتماعية وتسارع وتيرة الحداثة، أن تصون هذا الإرث وتضمن استمراريته، محافظة على تقنياته الدقيقة وطقوسه الرمزية التي تمنحه بعدا جماليا وروحانيا مميزا.

وتنطلق عملية التقطير مع بداية فصل الربيع، حين تتفتح أزهار شجرة النارنج، المعروفة محليا بـ"الزنبوع"، فتملأ رائحتها الزكية أزقة المدينة ودروبها.

وتحرص النساء على انتقاء هذه الأزهار بعناية فائقة، في طقس يجمع بين الدقة والحس الفني، قبل الشروع في إعداد أدوات التقطير التقليدية، التي تتكون أساسا من المقطر النحاسي والقوارير الزجاجية، إضافة إلى مستلزمات أخرى كالبخور والأقمشة.

وتعتمد عملية التقطير على توازن دقيق بين عدة عناصر، من أبرزها التحكم في درجة الحرارة ومراقبة تصاعد البخار داخل المقطر، حيث تتحول الأزهار تدريجيا، عبر هذه العملية، إلى قطرات صافية من ماء الزهر تحتفظ بخصائصها العطرية الطبيعية.

وتستلزم هذه العملية صبرا كبيرا وخبرة متوارثة، ما يجعلها فناً قائماً بذاته تتقنه النساء بامتياز.

ولا تخلو هذه الممارسة من طقوس رمزية تعزز بعدها الروحي، إذ جرت العادة أن تشارك سيدتان في عملية التقطير، ترتديان زيا تقليديا نظيفا، وتستهلان العمل بقراءة الفاتحة والدعاء، قبل إسدال ستار رمزي لحماية العملية.

وترافق هذه اللحظات أجواء احتفالية مميزة تتخللها الزغاريد والإنشاد وترديد الأمداح النبوية.

ويتم التقطير باستخدام آلة تقليدية تعرف بـ"القطارة"، وهي جهاز نحاسي يتكون من عدة أجزاء، من بينها "البرمة" التي يوضع فيها الماء وأزهار النارنج، تعلوها قطعة تسمى "الكسكاس" توضع فيها الأزهار، ثم الرأس الذي يُسكب فيه الماء البارد.

ومع تسخين الماء، يتصاعد البخار محملاً بروح الزهر، ليبرد لاحقا ويتحول إلى قطرات نقية تُجمع في قوارير خاصة.

وفي هذا السياق، أكدت ثريا عربان، الكاتبة العامة لجمعية "منية"، أن النساء المراكشيات طورن علاقة خاصة مع هذا الفن، معتبرة أن تقطير ماء الزهر لم يعد مجرد نشاط تقليدي، بل تحوّل إلى طقس اجتماعي يعزز الروابط الأسرية ويكرس روح الانتماء. من جهته، أوضح رئيس الجمعية جعفر الكنسوسي أن هذا التقليد يمثل تراثا نسائيا خالصا ارتقى إلى مستوى الطقس المقدس، لما يحمله من رمزية وروحانية.

ولم يعد هذا الموروث حبيس البيوت، بل تحول بفضل جهود المجتمع المدني إلى تظاهرة ثقافية تستقطب الباحثين والسياح والمؤسسات الثقافية، في مبادرة تهدف إلى التعريف به وصونه من الاندثار.

وتعززت مكانة هذا التقليد بعد إدراجه ضمن قائمة التراث الثقافي الوطني سنة 2022، واعتماده كتراث ثقافي للعالم الإسلامي من طرف منظمة "إيسيسكو".

ويمتد هذا التقليد إلى مدن مغربية أخرى، حيث تحافظ الأسر على نفس الطقوس والعادات. ففي مدينة تازة، تستعد لاحتضان الدورة الخامسة من موسم تقطير الزهر خلال شهر ماي المقبل، في تجربة تسعى إلى المزج بين الثقافة المحلية والتقاليد الحسانية، من خلال إدماج الشاي الصحراوي مع الزهر التازي، واستضافة فرق المديح من الأقاليم الجنوبية.

أما في مدينة فاس، فتتحوّل الأحياء خلال فصل الربيع إلى فضاءات نابضة بالحياة، حيث يشارك الصغار والكبار في قطف الأزهار وتقطيرها، في طقس جماعي يعكس غنى فن العيش الذي راكمه أهل المدينة عبر العصور.

ولا تقتصر أهمية ماء الزهر على رمزيته الثقافية، بل تتجاوزها إلى استعمالات متعددة في الحياة اليومية، فهو عنصر أساسي في تحضير العديد من الأطباق التقليدية والحلويات، كما يستخدم في الطب المنزلي لخصائصه المهدئة، حيث يساعد على تهدئة الأعصاب، وحماية المعدة، والتخفيف من آلام الأمعاء، وخفض درجة الحرارة في حالات الحمى.

ويدخل ماء الزهر في مجال التجميل، حيث يُستعمل في إعداد أقنعة البشرة وإراحة العيون المتعبة، فضلا عن استخدامه كمنعش طبيعي لمياه الشرب.

ويظل حضوره بارزا في المناسبات الاجتماعية والدينية، حيث يُرش على الضيوف في الأعراس والاحتفالات، ويضاف إلى الشاي المغربي لمنحه نكهة مميزة.

وقد ساهمت التعاونيات النسائية في إعطاء هذا التقليد بعداً اقتصاديا، من خلال تسويق ماء الزهر كمنتوج حرفي عضوي داخل المغرب وخارجه، ما أتاح له آفاقا جديدة للاعتراف الدولي، دون المس بجوهره الأصيل. ويعكس هذا التوجه قدرة التراث المغربي على التكيف مع متطلبات العصر، مع الحفاظ على هويته الثقافية.