توم باراك يدعو من بغداد لتشكيل قيادة عراقية فعالة تتبنى الاستقرار

رسائل باراك بضرورة تشكيل حكومة قادرة على دفع مسار الشراكة بين بغداد وواشنطن يأتي في خضم الجدل بشأن ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء.

بغداد - استهلّ المبعوث الأميركي إلى العراق توم باراك تحركاته بلقاء جمعه برئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في اجتماع وصفه بـ"المثمر"، مؤكداً الحاجة إلى قيادة عراقية قادرة على ترسيخ الاستقرار ودفع مسار الشراكة بين البلدين. وجاء اللقاء في توقيت حساس يتزامن مع مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة وكذلك التصعيد ضد الجارة إيران والتهديد بشن هجوم عليها.
وشدد باراك، الذي تسلّم الملف العراقي خلفاً لـمارك سافايا، في منشور على منصة "إكس" على أن المرحلة المقبلة تتطلب سياسات واضحة تعزز الاستقرار الداخلي وتخدم المصالح المشتركة. غير أن الرسائل الأميركية لم تقف عند حدود العموميات، إذ تتقاطع مع موقف معلن يرفض عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة.

وبرز هذا الرفض في سياق أوسع من إعادة تموضع أميركي إزاء المشهد السياسي العراقي، حيث نقل متحدث باسم الخارجية الأميركية عن الرئيس دونالد ترمب الأسبوع الماضي أن اختيار المالكي سيقود واشنطن إلى مراجعة شاملة لعلاقاتها مع بغداد. وتُفهم هذه الإشارة على أنها لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد إلى مجالات التعاون الأمني والاقتصادي.
وكانت مصادر عراقية تحدثت عن رسالة رسمية تلقتها بغداد تتضمن تحذيراً من فرض عقوبات على أفراد ومؤسسات إذا تم المضي في تكليف المالكي. كما جرى تداول معلومات عن مهلة زمنية قصيرة مُنحت لإعادة النظر في الترشيح، في مؤشر إلى جدية الموقف الأميركي وسعيه للتأثير في مسار التشكيل الحكومي.
وزير الخارجية فؤاد حسين أقرّ بأن تمسك "الإطار التنسيقي" بترشيح المالكي لا يزال قائماً، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الموقف الأميركي خلق واقعاً سياسياً جديداً، من دون الجزم بما إذا كان هذا الموقف تكتيكياً أم ثابتاً. ويعكس هذا التصريح إدراكاً رسمياً بأن حسابات الداخل باتت مرتبطة إلى حد بعيد بتفاعلات الخارج.
وتستند المقاربة الأميركية إلى جملة محددات، في مقدمتها تقليص نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران داخل مؤسسات الدولة، والحد من تأثير طهران في القرار السياسي، إضافة إلى توسيع الشراكات الاقتصادية بما ينسجم مع الرؤية الأميركية للمنطقة. ومن هذا المنطلق، ترى واشنطن أن أي حكومة مقبلة ينبغي أن تكون بعيدة عن مراكز النفوذ الإقليمي وقادرة على اتخاذ قرارات مستقلة.
وفي في المقابل، لا يزال "الإطار التنسيقي" يشهد انقساماً حيال المضي في ترشيح المالكي. فبينما يستند الأخير إلى ثقله السياسي وخبرته في إدارة الحكومة لولايتين، تخشى أطراف داخل التحالف من أن يؤدي الإصرار عليه إلى تعقيد العلاقة مع الولايات المتحدة في مرحلة يحتاج فيها العراق إلى دعم دولي لتجاوز تحديات اقتصادية وأمنية متراكمة.
وتشير تسريبات من داخل التحالف إلى نقاشات مكثفة لبحث أسماء بديلة قد تحظى بقبول داخلي وتفادي صدام مباشر مع واشنطن، مع الحفاظ على تماسك التحالف الحاكم. ويبدو أن التحذيرات الأميركية الأخيرة دفعت بعض القوى إلى إعادة حساباتها، خصوصاً في ظل الترابط بين الاستقرار السياسي وتدفق الدعم الدولي.
أما المالكي، فيؤكد أن أي قرار بسحب ترشيحه يجب أن يصدر عن الإطار نفسه، لا استجابة لضغوط خارجية، معتبراً أن العودة إلى رئاسة الحكومة حق سياسي تحدده التوازنات البرلمانية. غير أن معارضيه يرون أن المرحلة الحالية تتطلب وجوهاً جديدة قادرة على بناء جسور الثقة مع المجتمع الدولي.
وبين تشابك العوامل الداخلية وضغط الرسائل الأميركية، يبقى مسار تشكيل الحكومة العراقية مرهوناً بقدرة القوى السياسية على إنتاج صيغة تضمن استقراراً فعلياً وتبعد البلاد عن صراع النفوذ الإقليمي، في وقت تؤكد فيه واشنطن تمسكها بقيادة عراقية مستقلة عن التأثير الإيراني وقادرة على تثبيت توازن دقيق في علاقاتها الخارجية.