تونس تحتاج تعريبا ينتشلها من 'الفرنسة'

فرنسا هي المستفيد الوحيد من هذا الإصرار على الفرنسة في الفضاءات العامة التونسية، نتيجة ترسبٌ عميق لعقلية استعمارية نجحت في إيهام الوعي الجمعي بأن الرقي مرتبط حصراً بلسان المستعمر القديم.

في عيادة الطبيب بإحدى ضواحي العاصمة التونسية، خلتُ نفسي أني في إحدى ضواحي فرنسا، أو أني نزلتُ من الطائرة لتوي.. الجميع يتكلم لغة "موليير" في الهاتف وفي محادثات بينهم لقتل الوقت... والوقت في مثل هذه الحالات يغدو زمناً وأزمنةً في انتظار الكشف الطبي والمكاشفة، واكتشاف فرص استعادة العافية من عدمها... نسأل لكم السلامة.

في تونس العاصمة على وجه الخصوص، قد تحس بأنك قادم من العصور الوسطى إن لم تتكلم بالفرنسية.. العربية هنا صارت لغة غير مفهومة، وقد يصعقك عون إداري أو حسناء وراء نافذة بنكية بـ"سامحني لم أفهمك".

تونس تحتاج تعريباً يعيد لغة الضاد لغةً رسمية للتخاطب في إداراتها، عملاً بمبدأ "يسروا ولا تعسروا"، وعودةً إلى الجذور، ثم والأهم؛ إعفاء العديد من عناء التصنع واقتراف الأخطاء الكارثية في حق الفرنسية.

جيلا "زد" و"ألفا" فهما اللعبة بميلهما إلى اللغات الحية كالإنكليزية والألمانية؛ أدركا باكراً أنها جواز سفرهما لاقتناص فرص شغل وآفاق أرحب هناك على الضفة الأخرى... صدق الأوّلون في تونس عندما قالوا "فالكم عند صغاركم".. مثلٌ ظل راسخاً في الذاكرة الشعبية ويفيد بأن "البركة في النشء الجديد".

العالم اليوم يتكلم الإنكليزية.. عروض الشغل تشترط إتقاناً جيداً لهذه اللغة التي ظلت "عاهة" عند أغلب خريجي جامعاتنا، التي تقذف سنوياً بآلاف من حملة الشهادات العليا إلى سوق عاجزة عن استيعاب النزر القليل منهم.

البرمجة، الذكاء الاصطناعي، والألعاب الإلكترونية؛ كلها تنطق بالإنكليزية.. والشاب التونسي اليوم يطمح - وهذا من أبسط حقوقه - للعمل في ألمانيا، كندا، أو الخليج؛ حيث لا ولن تنفعه الفرنسية في شيء. حتى كبرى الشركات العالمية المتواجدة في تونس تتعامل مباشرة مع السوق العالمية بالإنكليزية.

قرأنا فيما قرأنا خلال "العشرية" السابقة أن أولي الأمر رفضوا برنامجاً في شكل دعم مالي سخي لإدراج الإنكليزية في المناهج المدرسية بكثافة منذ السنوات الأولى.. ربما خشيةً من غضب مريدي "الفرنكوفونية". لا نقول "يُقادون إلى مفاتيح لغة العولمة بالسلاسل"، لكننا نقول "فكروا قليلاً، والأهم؛ اتعظوا من التجارب الفاشلة".

فرنسا هي المستفيد الوحيد من هذا الإصرار على "الفرنسة" في الفضاءات العامة التونسية، نتيجة ترسبٌ عميق لعقلية استعمارية نجحت في إيهام الوعي الجمعي بأن الرقي مرتبط حصراً بلسان المستعمر القديم. نحن أمام استلابٍ ثقافي يجعل من اللغة العربية "لغة ثانية" في عقر دارها، ومن الفرنسية "برستيجاً" اجتماعياً يُستخدم لفرز الطبقات وتحديد المكانة.