جانيت وينترسون... قلم صلد لا يذرف الدموع

القلم الصلد
جانيت وينترسون أمام مرابع طفولتها القاسية

تستطيع جانيت وينترسون ان تغير القصة، لكنها هي القصة! هكذا كانت في الفيلم الوثائقي الذي تتبع ظلال سيرتها منذ الطفولة حين أُرغمت على حرق الكتب إلا الكاتب المقدس.

في "الوحشة وأنا" الفيلم الوثائقي الذي انتجته "بي بي سي" اصطحب المحاور الثقافي "آلان ينتوب" بتلقائية هادئة أمام العدسة كي يعرّف العين على الروائية جانيت وينترسون، بعد ان عرفها البعض عن طريق كتبها.

عندما أطلت من أعلى بناية في لندن كان المشهد الأول يصنع الأسئلة حول هذه الروائية التي فاقمت الجدل حول سيرتها منذ روايتها الأولى "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة" وحتى آخر كتبها الذي رسم سيرة موازية لسيرتها "لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين".

ومن حس حظ وينترسون إن روايتها الأولى تحولت الى فيلم صوّر بالفعل في نفس بيئتها، وهكذا عادت إلى مكان طفولتها مع المحاور "آلان ينتوب" "البريطاني من اصول عراقية يهودية" وجعلت العدسة معادلا للفيلم وهي تركز على الطرقات نفسها وعلى ملامح وينترسون الجامدة حتى أمام قبر أمها بالتبني، وهي تزوره للمرة الأولى!

هل الروائي كائن مختلف؟ إذا كان من الطبيعي للمرء أم واحدة، فكيف نستطيع تفسير أن تكون لجانيت أُمّان!، بطبيعة الحال سيكون الأمر مؤذياً، كيف لا وجانيت تصف العيش مع امها عندما تسألها عن أحاديث الإنجيل مثل التحقيق تحت سلطة مكارثي! إرغامها على حفظ الإنجيل في طفولتها جعل منها من دون قصد روائية بامتياز، لكنها لا تدين لذلك بأي فضل، بقدر ما تتذكر الاضطهاد الديني الذي عاشته تحت سطوة والديها المتمسكين بتعاليم الكنيسة.

ميزة هذا الفيلم الوثائقي تكمن بقدرته على تقريب صورة الروائي للمشاهد، وإن لم يقرأ كتبه من قبل، فهو يعود إلى نفس أماكن طفولتها في مانجستير في عقد الستينات من القرن الماضي حيث عاشت طفولتها مع أصوات المصانع، وعندما تمر في رواق المتحف تستعيد ما لم تغفله ذاكرتها وكأنها تجيب على أول الأسئلة التي أطلقت عليها "هل تغيرت الصورة في ذاكرتها؟".

وتعود الى ضاحية "اكركتون" حيث عاشت هناك في شارع "200 وتير ستريت" تتذكر تماما الرمز البريدي، وتتذكر كيف كانت تجلس أمام باب البيت الضيق، وتعيد تمثيل الجلسة نفسها بنزق الروائية وليس الطفلة، ثم الطريق العميق للحي الذي قضت فيه طفولتها قبل أن ينقذها القدر وتقبل في جامعة أكسفورد، ولا تعود لسنوات الاضطهاد الكنيسي.

تعترف جانيت وينترسون بانها لم تكتب قصتها ضد السيدة والدتها بالتبني، بل كتبت شيئأ عنها "فبطبيعة الحال أنا موجودة في كل رواياتي، خذ مسرحيات شكسبير مثلا، فهل من الممكن أن تجيء كل تلك الأحداث من حياة شكسبير نفسها، إن كان ذلك ممكنا فهذا يعني ان شكسبير يجب أن يكون خمسين رجلا، وأنا بالطبع لا أذهب إلى تلك النظرية".

تمثل وينترسون أمام محاورها كيف عاشت لأشهر داخل سيارة "ميني" الصغيرة، وكيف تجلس أمام المقود وتضع الأوراق عليه لتكتب شيئا ما أو كيس الطعام لتأكل، وعندما تريد النوم تستلقي على المقعد الخلفي وكأنها غرفة اصغر من الصغيرة، عاشت في هذه السيارة بضعة أشهر، علينا أن تخيل الوحشة أو العذاب، وعليها أن تشعر بالحنين اليوم وهي تستعيد تلك المشاهد أمام العدسة.

في جامعة اكسفورد نتعرف كيف قرأت فرجيينا وولف وكيف كانت تعيش في القسم الداخلي والكتب تتكدس على مخدتها، ثمة الكثير منها، شغفها بالقراءة التي كانت معادلا لحرمانها منها من قبل أمها آنذاك، فكل كتاب يسكن في متنه الشيطان، إلا الإنجيل!

تتحرك العدسة إلى باريس حيث عاشت لتكتب روايتها "ياور بورك" وكيف تعرضت للأسئلة لماذا هي في باريس، أمن أجل الكتابة وحدها، وإذا كانت باريس ليس جزءاً من روايتها فلماذا هي هنا؟ لا تجيب بغير إنها في باريس لانها مدينة أخرى وأناسها مختلفين.

تمر العدسة على أيامها في باريس والمكتبة الصغيرة التي كانت تشتري منها الكتب المستخدمة حيث عائلة الأب الذي أسسها في الخمسينات، تديرها اليوم وترتبط بعلاقة حميمة مع جانيت وينترسون، لا تنس كلب العائلة صديقها، لانها ترى الكلب هو أفضل من لا يشك بك عندما تكلم نفسك وأنت تتأمل رفوف الكتب، الكلب لا يشك بك انك مجنوناً.

وفي الفندق المتواضع الذي عاشت فيه لا يوجد في غرفتها هاتف أو تلفزيون، مجرد سرير وطاولة للكتابة.

وعندما تعود الى ضاحيتها الطفولية في مانجستير، للبحث عن أمها الأصلية، تقابلها امرأة أخرى لتقول لها أن امها ماتت.

حتى ينتهي الفيلم الوثائقي عند المقبرة، لكن من الذي دفن؟ أمها الأصلية أم التي تبنتها، تعترف انها سبق وان زارت قبر أبيها، لكنها مع قبر امها لم تفعل.

ولكي تعرف أين قبر أمها بالتحديد يصطحبها المحاور "آلان ينتوب" إلى قبرها في أول زيارة، يا للألم الذي لم يظهر على وجه هذه المرأة!!.

لم تر جانيت امها كونستانس وينترسون منذ ان غادرت منزل العائلة وكان عمرها آنذاك 16عاما للدراسة في جامعة اكسفورد، الغت حياتها السابقة تماما بين أبوين لا يعرفان اي طريق آخر غير طريق الكنيسة، وعندما نشرت رواية "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة" كان عمرها 25 عاماً، انتابها آنذاك شيئا لا يمت بصلة للحنين وكانت تود أن ترى أمها على الاقل لترسم لها صورة كما تحدثت عنها في الرواية! تتساءل "كيف يمكن ان أراها من خلال صوتها؟" وهي تحاول الاتصال بها في الهاتف.

تصفها بالمرأة الضخمة والطويلة، ترتدي الجوارب المحتشمة والصنادل المسطحة وحجاب النايلون المسيحي، تضع بعض المساحيق على وجهها للحفاظ على بشرتها، لكن قطعاً ليس أحمر الشفاه.

تحدثت مع امها بالهاتف بعد كل تلك السنين وكانت قد سألتها اذا كانت "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة" مجرد قصة، لماذا هذا التشابه بالاسماء؟ وقالت لها لسنا أول عائلة تخترع تبني الأطفال، عندما اخترناك لتكوني ابنتنا. لتؤكد لها في النهاية ان ثمة شيء مفقود في كتابها هذا.

وبعد زيارة واحدة في عيد الميلاد عندما كانت تدرس الأدب الانكليزي في جامعة اكسفورد، لم تلتق جانيت بامها بعد ذلك "توفيت الأم عندما كانت جانيت في الثلاثين من عمرها".

هل يكرر هذا الفيلم سيرة جانيت وينترسون التي قرأناها في نوع من الاغراء التلفازي، يبدو الأمر كذلك.

نكتشف إنها قررت أن تفعل شيئا حيال العثور على ماضيها الحقيقي، تفكر بالانتحار، وتلتقي والدتها الحقيقية، لكن هذا لا يعني نهاية القصة، فهي لا تقبل ان تكون لأي من الأمهات المتقدمات اليها. والكتابة عن الماضي لا تعني انها غير قادرة على اكتشاف الحب في المستقبل، الحب هذا اللغز الذي تفتقر اليه وكان يطاردها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
   
  وينترسون مع المحاور آلان ينتوب لاستعادة السيرة  
 

في كتابها الأخير "لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين" مذكرات واقعية بامتياز، مفعم بالحوار الشعري والروائي، لا يخلو من الحِكم والغضب والتهكم، انه ببساطة كتاب تعيد فيه جانيت العلاقة الضائعة مع امها!

 

هل حقا تبحث جانيت عن امها في مذكراتها؟ لكن عن أي أم تبحث؟ امها التي تبنتها منذ ان كان عمرها بضعة اسابيع، أم امها البيولوجية التي تعرفت عليها أخيراً؟

في رواية "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة" 1985 التي اصبحت لازمة لوينترسون، مع انها نشرت بعدها "ركوب الزوارق للمبتدئين"، "العاطفة"، "ثمار الكرز"، "الكتابة على الجسد"، "ثلاثة أصوات وسمسار"، "تماثل"، "ياويربوك"، "أطلس"، "ويايت"، نكتشف ان جانيت تكتب شيئا من سيرتها عن أم متطرفة في مسيحيتها وتعمل لتجعل من ابنتها مبشرة وترغمها على الذهاب الى الكنسية ست مرات في الأسبوع.

وعندما تتعرف الفتاة على صديقة لها تنجذب إليها كعشيقة، كذلك تكتشف الأم العلاقة الشاذة بين الفتاتين وتنقل الأمر لراعي الكنيسة الذي يقوم في قداس بكشف الأثم علناً أمام الحاضرين ويدعو بالمغفرة للفتاتين آملا أن تتخلصا من هذا الاثم.

وبينما تنهار الفتاة الثانية تبقى بطلة جانيت وينترسون على اصرارها مدعية أنها لم تقم بعمل آثم.

فهل هذه الفتاة الشاذة جنسيا هي الكاتبة نفسها؟

لم يكن من الممكن ــ تقول وينترسون ــ "ان اعتقد ان (البرتقالة) هي حياتي الخاصة، حتى لو كنت مكان القارئ او الناقد الذي يعتقد ذلك.

اعتقد ان ذلك سيكون خطأ عظيماً، أردت ان اخترع نفسي كشخصية روائية مما سبب لي الكثير من الحيرة، بالطبع ان الاساس قائم في رواية (البرتقالة) لكن هناك الكثير من ذاتي وحياتي بداخل متن جميع كتبي".

تقول جانيت "أرادتني أمي أن أحقق شيئاً ما تعوض فيه ماعانته من احباطات في كل طموحاتها.. إهتمت كثيراً أن تجعلني مبشرة، واليوم أشعر أنني لم أكن أعرف ماذا كانت تريد مني، أو تريدني أن أكون".

وتضيف "عرفت أمي أن الكتب ستقودني إلى التيه، وكانت على حق، وبعد أن استقليت عن الاسرة لم أخذ شيئاً معي، الاشياء التي أحببتها ضاعت جميعها بالفعل".

من قرأ رواية "البرتقالة" سيكتشف ان كل ماراوده حول هذه المرأة كان صحيحاً، وهاهي جانيت بنفسها تكتب ما يشبه الاعتراف في كتابها الجديد، الذي لم يتأخر كثيراً عن العمر الافتراضي للكاتب، اذا عرفنا ان جانيت وينترسون ولدت عام 1959، ونشرت روايتها الاولى عام 1985، وتكتب مذكراتها عام 2011، وتعيد سردها أمام العدسة عام 2012.

ولدت جانيت في مانشستر عام 1959. والتُقطت وهي لم تبلغ السنة من عمرها لتتبناها عائلة في أكرينغتون- انكشاير، كان كل شيء انتهى في حياتها المفترضة مع حياتها الواقعية واعتمد والدها بالتبني جون ويليام وينترسون تاريخ 21 كاون الثاني (يناير) 1960 تاريخ مولدها بالنسبه له.

للتواصل مع كرم نعمة

[email protected]