جدل يسبق عرض 'شارع مالقة' في المغرب

فيلم مريم التوزاني يثير نقاشا حول الشيخوخة والحب، مقدماً حكاية امرأة تستعيد رغبتها في الحياة رغم قسوة الظروف.

الرباط ـ  تستعد القاعات السينمائية في المغرب لاستقبال الفيلم الروائي الطويل الثالث للمخرجة مريم التوزاني، والذي يحمل عنوان 'شارع مالقة'، ابتداء من يوم الأربعاء 22 أبريل/نيسان 2026. ويُعرض العمل في نسخته الأصلية باللغة الإسبانية، مرفقة بترجمة فرنسية، مع حضور لافت لبعض الحوارات باللهجة الدارجة المغربية، في توليفة لغوية تعكس الخلفية الثقافية المتعددة التي يقوم عليها الفيلم.

ويصل الفيلم إلى الجمهور المغربي محاطا باهتمام واسع، ليس فقط بسبب موضوعه الإنساني، بل أيضا نتيجة الجدل الذي سبق عرضه، خاصة بعد تداول أخبار عن احتوائه على مشهد جريء يجمع بطلي العمل في لقطة عارية، ما أثار نقاشا مبكرا حول حدود التعبير الفني وطبيعة الطرح الذي يقدمه الفيلم.

تدور أحداث الفيلم حول شخصية ماريا أنخيلس التي ولدت في مدينة طنجة بعد استقرار الجالية الإسبانية خلال ثلاثينيات القرن الماضي، خصوصا في فترة الحرب الأهلية الإسبانية. عاشت ماريا حياتها في المغرب، حيث تزوجت وأنجبت ابنتها الوحيدة كارلا، قبل أن تجد نفسها لاحقا وحيدة بعد وفاة زوجها وانتقال ابنتها للعيش في إسبانيا.

ورغم هذه الوحدة، استطاعت ماريا أن تحافظ على نمط حياة هادئ ومستقر داخل شقتها الواقعة في 'زنقة مالقة'، التي استمد منها الفيلم عنوانه. هناك، أحاطت نفسها بذكريات الماضي، وبعلاقات إنسانية دافئة مع جيرانها، وظلت مرتبطة بذكريات زوجها الراحل، الذي كانت تزور قبره بين الحين والآخر.

غير أن هذا التوازن سرعان ما ينهار مع زيارة مفاجئة من ابنتها كارلا، التي تكشف عن أزمة مالية خانقة تعيشها بعد طلاقها، واضطرارها لإعالة طفلين بمفردها.

وتطلب كارلا من والدتها بيع شقة طنجة، التي كانت مسجلة باسمها، لتتمكن من شراء منزل جديد في إسبانيا والتخلص من عبء الإيجار.

تشكل هذه المطالبة صدمة قوية لماريا، التي لم تتوقع أن تأتي الضغوط من ابنتها الوحيدة. ورغم الألم، توافق الأم في نهاية المطاف على مضض، لكنها ترفض مغادرة طنجة، المدينة التي تمثل لها كل شيء.

وأمام هذا الرفض، تلجأ كارلا إلى حل قاسٍ يتمثل في إيداع والدتها داخل دار للمسنين، قبل أن تعود إلى إسبانيا في انتظار إتمام صفقة بيع الشقة.

لكن ماريا لا تتمكن من التأقلم مع حياة العزلة داخل المؤسسة، فتقرر الهروب والعودة إلى شقتها، حيث تبدأ رحلة استعادة عالمها الخاص. وتقوم بإنفاق المال الذي تركته لها ابنتها لإعادة شراء أثاث المنزل قطعة قطعة من تاجر للأثاث المستعمل، في محاولة لإحياء تفاصيل حياتها السابقة.

ومع نفاد المال، تجد ماريا نفسها مضطرة لمواجهة واقع جديد، فتسعى لكسب رزقها رغم تقدمها في السن، وهي التي لم تعمل طوال حياتها سوى لفترة قصيرة في بيع التذاكر بمسرح "سرفانتس" في طنجة. وفي هذه المرحلة، تتلقى دعما من جيرانها الذين يحيطونها بالتعاطف، كما تنشأ علاقة إنسانية خاصة بينها وبين تاجر الأثاث عبد السلام.

تتطور هذه العلاقة تدريجياً لتتحول إلى قصة حب متأخرة، تعيد إلى ماريا إحساسها بالحياة والأنوثة، وتمنحها فرصة لاكتشاف ذاتها من جديد. ومن خلال هذه التجربة، يطرح الفيلم فكرة أن الحياة لا تتوقف عند سن معين، وأن الرغبة في العيش والحب يمكن أن تتجدد في أي مرحلة.

وتبلغ هذه الرحلة ذروتها عندما ينطلق ماريا وعبد السلام إلى مدينة أصيلة لاستعادة جهاز 'الغرامافون'، الذي كان يمثل رمزا مهما في حياتها، حيث ارتبطت موسيقاه بذكرياتها وأيامها الجميلة. ويشكل هذا العنصر بعدا رمزيا في الفيلم، إذ تعود معه ابتسامة ماريا، وكأنها تستعيد جزءاً من روحها.

غير أن هذا السلام لا يدوم طويلا، إذ تكتشف كارلا أن والدتها عادت إلى الشقة وترفض مغادرتها، ما يؤدي إلى مواجهة إنسانية مؤلمة بين الأم وابنتها، تعكس صراعاً بين القيم المادية والروابط العاطفية.

وفي تصريحات صحفية، أوضحت المخرجة مريم التوزاني أن الفيلم جاء نتيجة تجربة شخصية مرتبطة بفقدان والدتها، مؤكدة أن العمل وُلد من الحزن، لكنه تحول إلى احتفاء بالحياة. كما أشارت إلى أن شخصية ماريا مستوحاة جزئياً من والدتها وجدتها الأندلسية، ما يمنح الفيلم بعداً ذاتياً واضحاً.

كما تحدثت التوزاني عن اختيار الممثلة كارمن مورا لأداء الدور الرئيسي، مشيرة إلى أن لقاءها بها كان حاسماً في تشكيل ملامح الشخصية، لما تحمله من طاقة وحيوية تعكس روح العمل.

ويتطرق الفيلم أيضا إلى نظرة المجتمع لكبار السن، حيث ينتقد القوالب النمطية التي تحصرهم في صورة الانسحاب من الحياة، مؤكداً أن التقدم في العمر لا يلغي الرغبة أو المشاعر، بل قد يمنحها عمقاً أكبر.

ويأتي المشهد الختامي، الذي أثار جدلا واسعا، ليعكس هذه الفكرة بشكل مباشر، حيث يظهر بطلا الفيلم في لقطة جريئة تخلو من أي تلميح أو تجميل، في طرح صريح لمسألة الجسد والشيخوخة.

وحقق الفيلم نجاحا ملحوظاً خارج المغرب، حيث سجل حوالي 255 ألف تذكرة في فرنسا، إضافة إلى نحو 100 ألف تذكرة في إسبانيا خلال فترة قصيرة.

وشارك الفيلم في مهرجانات دولية بارزة مثل البندقية وتورونتو، ومثل المغرب في سباق الأوسكار لعام 2026، قبل أن يصل إلى الجمهور المحلي وسط ترقب كبير، خاصة بعد تجاوزه 450 ألف تذكرة عالميا، ما يعزز مكانته كأحد أبرز الإنتاجات المغربية الحديثة.