حراك دبلوماسي يفتح الباب لتسوية تنهي حرب إيران

وزير الخارجية التركي بحث مع نظيريه الإيراني والمصري ومسؤولين أميركيين ومسؤولية السياسة الخارجية الأوروبية، سبل إنهاء الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

واشنطن/طهران - تتزايد المؤشرات على وجود تباين واضح في الموقف الأميركي من الحرب الدائرة مع إيران، حيث تتقاطع التصريحات الحادة التي تهدد بتدمير منشآت الطاقة والبنية التحتية، مع تحركات دبلوماسية نشطة لاستكشاف سبل إنهاء الصراع، في ظل كلفة مالية وعسكرية متصاعدة تضع الإدارة الأميركية أمام معضلة معقدة.

كما بحث وزير الخارجية الإيراني مع نظيره العماني بدر البوسعيدي، خلال اتصال هاتفي، تطورات الحرب الدائرة إلى جانب تداعياتها الإقليمية المتسارعة. وبحسب بيان صادر عن الخارجية الإيرانية، تناول الجانبان آخر المستجدات الميدانية والسياسية، في ظل تصاعد المواجهة منذ أواخر فبراير/شباط، وما خلّفته من خسائر بشرية ودمار واسع.

وأكد الوزيران خلال الاتصال أهمية استمرار قنوات التشاور والتنسيق بين طهران ومسقط، في إشارة إلى الدور التقليدي الذي تلعبه سلطنة عمان في التهدئة وفتح مسارات الحوار في الأزمات الإقليمية. كما تخللت المكالمة أجواء بروتوكولية، حيث قدم البوسعيدي التهاني لعراقجي بمناسبة عيدي الفطر والنوروز، في لفتة تعكس الحفاظ على الطابع الدبلوماسي رغم حساسية المرحلة.

وفي الوقت الذي تواصل فيه إدارة دونالد ترامب التلويح بتصعيد واسع قد يشمل استهداف قطاعي النفط والكهرباء في إيران، كشفت اتصالات دبلوماسية يقودها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع نظيريه الإيراني عباس عراقجي والمصري بدر عبدالعاطي، إضافة إلى مسؤولين أميركيين وأوروبيين بينهم مسؤولة ⁠السياسة ​الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس، عن بحث جدي لوقف الحرب أو احتوائها، بينما تعكس هذه التحركات أن واشنطن، رغم خطابها التصعيدي، تبقي الباب مواربا أمام التسوية.

في موازاة ذلك، يؤكد المسؤولون الأميركيون امتلاكهم القدرة المالية على الاستمرار في الحرب، فقد شدد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن الولايات المتحدة تمتلك "أموالا وفيرة" لتمويل العمليات العسكرية، مع طلب تمويل إضافي من الكونغرس لضمان استمرارية الإمدادات، إلا أن هذا الطرح يواجه تناقضا واضحا، إذ يأتي في وقت تتصاعد فيه المعارضة داخل الكونغرس لطلب تمويل قد يصل إلى 200 مليار دولار، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى الحرب وكلفتها.

وتكشف الأرقام الأولية عن حجم العبء المالي، إذ تجاوزت كلفة الأيام الستة الأولى من الحرب أكثر من 11 مليار دولار، ما ينذر بأن هذه المواجهة قد تصبح من بين الأكثر تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، متجاوزة تجارب سابقة مثل العراق وأفغانستان. ورغم إقرار ميزانيات دفاعية قياسية، فإن استمرار النزيف المالي يعمق الانقسامات السياسية ويزيد الضغط على الإدارة.

ورغم الضربات القاسية التي تلقتها إيران على المستويات العسكرية والاقتصادية، أظهرت طهران قدرة ملحوظة على الصمود، فهي تواصل إطلاق وابل يومي من الصواريخ باتجاه إسرائيل، محدثة خسائر بشرية ومادية، ومستنزفة منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.

كما وسعت نطاق هجماتها على ما تقول إنها مصالح أميركية في المنطقة، إضافة إلى تهديد دول الخليج، ما يعكس قدرة على الردع المتبادل وليس الانهيار السريع الذي راهنت عليه واشنطن وتل أبيب.

وهذا الواقع أدى إلى تراجع الرهانات الأولية على إسقاط النظام الإيراني أو شل قدراته العسكرية بشكل كامل، فبدلا من تحقيق نصر حاسم، تبدو الحرب وقد دخلت مرحلة استنزاف مفتوح، تتآكل فيها القدرات تدريجيا دون حسم واضح، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم أهدافها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، تشير الاتصالات الجارية إلى أن واشنطن قد بدأت بالفعل في تقليص سقف أهدافها، والبحث عن مخرج يحقق الحد الأدنى من المكاسب بأقل التكاليف الممكنة، فمجرد الانخراط في نقاشات مع أطراف إقليمية، وربما مع إيران بشكل غير مباشر، يعكس تحولا من استراتيجية "الحسم" إلى "الإدارة والاحتواء".

داخليا، تتفاقم الضغوط السياسية على الإدارة الأميركية، مع انقسامات حادة داخل الكونغرس بين مؤيدين ومعارضين لاستمرار الحرب، إضافة إلى حالة تململ شعبي مرتبطة بارتفاع الأسعار، خاصة الطاقة. وتكتسب هذه العوامل أهمية أكبر مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بما في ذلك انتخابات التجديد النصفي، ما قد يدفع ترامب إلى إعادة حساباته في توقيت إنهاء الحرب.

أما على الجانب الإسرائيلي، فتبرز معضلة أخرى، إذ تشير التجارب التاريخية إلى أن إسرائيل لا تتحمل حروبا طويلة الأمد من حيث الكلفة الاقتصادية والعسكرية. ومع انخراطها في صراع مستمر منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، تبدو قدراتها تحت ضغط متزايد، ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على الاستمرار في حالة حرب متعددة الجبهات لسنوات إضافية.

وتبدو الحرب الحالية مرشحة لأن تكون الأعلى كلفة ليس فقط على أطرافها المباشرين، بل على الاقتصاد العالمي ككل، خاصة مع تعرض دول المنطقة النفطية لهجمات متكررة تهدد إمدادات الطاقة. وبين خطاب التصعيد وحسابات التراجع، تقف واشنطن أمام مفارقة استراتيجية: إما المضي في حرب مكلفة وغير مضمونة النتائج، أو البحث عن تسوية قد تُفسر كتنازل بعد رهانات كبرى لم تتحقق.