حرب روسيا وأوكرانيا تؤجج الانقسامات الأوروبية
باريس/كييف - عاد شبح الانقسام ليخيّم على العلاقات الأوروبية بعد وحدة نادرة في بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ اتُهمت ألمانيا بالأنانية واتُهم الرئيس الفرنسي بالتفاوض مع "مجرم" فيما أعاد المجريون انتخاب فيكتور أوربان المقرّب من روسيا والذي عرض بدوره استضافة محادثات أوكرانية روسية في بلاده.
وكان متوقعا أن تكون الوحدة التي أظهرتها دول الاتحاد الأوروبي والتضامن الواسع مع أوكرانيا، هشة في ظل خلافات كامنة ومشاكل متراكمة بين دول الاتحاد وخلافات حول أكثر من ملف كان أبرزها ملف الهجرة واللجوء وكان الحرص قائما على إظهار الوقوف صفا واحدا في وجه روسيا، لكن حماية المصالح سرعان ما بددت ما بدا أنها وحدة أوروبية.
ويقول عضو البرلمان الأوروبي من يسار الوسط ورئيس الوزراء الإيطالي الأسبق إنريكو ليتا "حتى الآن، أظهرت أوروبا وحدة استثنائية. ندخل الآن فترة قرارات صعبة".
والرهان بسيط وبالغ الأهمية في الوقت نفسه: هل يجب التوقف عن شراء الطاقة من روسيا التي تمول عائداتها بشكل مباشر جهدها الحربي في أوكرانيا، رغم تواصل اعتماد العديد من الدول الأوروبية عليها من ألمانيا إلى سلوفاكيا؟
ومنذ بدء الهجوم الروسي في 24 فبراير/شباط، شدّد الأوروبيون عقوباتهم على النخبة والاقتصاد الروسيين مع كل تصعيد جديد، مراهنين على أن الكلفة التي سيتكبدها الرئيس فلاديمير بوتين قريبا ستكون باهظة إلى درجة لا تسمح له بمواصلة الحرب.
وجمّدت دول الاتحاد الأوروبي حتى الآن ما لا يقل عن 29.5 مليار يورو من الأصول الروسية والبيلاروسية (تعمل وحدات روسية في أوكرانيا انطلاقا من بيلاروس المجاورة). ووافق الأوروبيون الخميس على حظر واردات الفحم الروسي وإغلاق الموانئ الأوروبية أمام السفن الروسية.
وقال إنريكو ليتا إن "العقوبات التي تم اتخاذها شديدة للغاية لكنها تحتاج إلى وقت لتحقيق نتائج"، مضيفا "كلنا توقعنا عملية تستغرق بضعة أيام أو حتى أسابيع قليلة، لكننا نجد أنفسنا اليوم في وضع لا نرى نهايته".
وفي الأسابيع التي سبقت الحرب، لوّحت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بمجموعة عقوبات شديدة، على أمل أن تثني فلاديمير بوتين عن التدخل في أوكرانيا.
ويشير نائب مدير معهد 'صندوق مارشال الألماني' في باريس مارتن كوينز إلى أن "ذلك جعل من الممكن الرد بسرعة بعد 24 فبراير، لكنه بلغ حدوده، وصارت تُطرح مسألة الغرض من العقوبات".
وأوضح أن الجدل يتركز الآن على "قضية الطاقة والحيّز الزمني للعقوبات"، إذ لن يدخل الحظر المفروض على الفحم الروسي حيز التنفيذ حتى مطلع أغسطس/اب المقبل، بعد 120 يوما من نشر حزمة العقوبات الجديدة في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي.
وتضغط بولندا ودول البلطيق من أجل إجراءات أكثر صرامة وأسرع بشأن الغاز والنفط، لكن الدول الأكثر اعتمادا على الطاقة الروسية وفي صدارتها ألمانيا، تطلب مزيدا من الوقت لإيجاد بدائل، ما يثير غضب دول أعضاء أخرى.
ويقول أستاذ العلوم السياسية الألماني أولريش شبيك عبر تويتر "برلين بيدها مفتاح تشديد الضغط على بوتين. لكن (المستشار أولاف) شولتس يدير أذنا صمّاء ويبدو أنه يعتقد بإمكان تجنّب هذا القرار. سمعته تتضرر بشكل كبير".
وأشارت مديرة 'المعهد النمساوي لأوروبا وسياسة الأمن' فيلينا تشاكاروفا في تغريدة إلى أن "مدفوعات الاتحاد الأوروبي لروسيا مقابل الطاقة منذ بداية الحرب في أوكرانيا تساوي 27.3 مليار يورو: 9.465 مليارات للنفط و17.1 مليارا للغاز وتسعة ملايين للفحم".
وفاقمت المجر بقيادة رئيس الوزراء فيكتور أوربان الخلافات بإعلان استعدادها لدفع ثمن الغاز الروسي بالروبل، عكس بقية دول الاتحاد الأوروبي.
ويهدد الرئيس الروسي بقطع الإمدادات عن الدول التي ترفض الالتزام بقرار الدفع بالروبل الذي اتخذه ردا على تجميد 300 مليار دولار من الاحتياطيات الروسية بالعملات الأجنبية.
ويؤكد إنريكو ليتا أنه "مع فوز أوربان الأحد، سيكون هناك دائما +السيد لا+ داخل الاتحاد الأوروبي. المجر بلد صغير ولكن قدرتها على إلحاق الضرر كبيرة في الموضوعات التي يلزم التصويت عليها بالإجماع".
ومن نقاط الخلاف الأوروبية الأخرى كيفية التعامل دبلوماسيا مع روسيا، فقد انتقد رئيس وزراء بولندا ماتيوش مورافتسكي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خلفية محادثاته العديدة مع زعيم الكرملين منذ بدء الحرب.
وقال مورافتسكي "ما من أحد تفاوض مع هتلر"، وردّ عليه ماكرون بأنه "يميني متطرف معاد للسامية" ما قاد وارسو لاستدعاء السفير الفرنسي لديها.
ويعتبر مارتن كوينز أن لهذه التصريحات قبل كل شيء "أهدافا سياسية داخلية"، مضيفا "هناك ضغط هائل على الأوروبيين وخصوصا وارسو وبرلين وباريس، لمواصلة العمل معا بشأن الموضوع الأوكراني".
لكن لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين راي آخر فقد قالت خلال زيارتها كييف الجمعة إن روسيا مهددة بـ"التفكك" بسبب العقوبات التي تفرض عليها، في حين أن لأوكرانيا "مستقبلا أوروبيا".
وأفادت في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن "روسيا ستغرق في التفكك الاقتصادي والمالي والتكنولوجي، في حين تسير أوكرانيا نحو مستقبل أوروبي"، مضيفة أن "معركتكم هي أيضا معركتنا. أنا هنا في كييف معكم اليوم لتوجيه رسالة بالغة القوة: الاتحاد الأوروبي إلى جانبكم. نحن إلى جانبكم".
ونددت فون دير لايين بما حصل للمدنيين في بوتشا، الأمر الذي نسبته أوكرانيا إلى القوات الروسية التي احتلت هذه المدينة الصغيرة شمال غرب العاصمة الأوكرانية.
وقالت "لقد تحطمت إنسانيتنا في بوتشا"، واصفة أيضا مقتل خمسين مدنيا في قصف استهدف محطة كراماتورسك في شرق أوكرانيا قبل بضع ساعات بأنه "مروع"، مضيفة "إننا نستنفر قوتنا الاقتصادية لجعل (فلاديمير) بوتين يدفع ثمنا باهظا جدا".
من جهته، أعرب زيلينسكي عن "امتنانه الشخصي" لرئيسة المفوضية الأوروبية على خمس رزم من العقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو، لكنه أكد أن "هذا غير كاف".
وزارت فون دير لايين الجمعة بوتشا التي باتت رمزا لفظائع الحرب في أوكرانيا، يرافقها وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل ورئيس الوزراء السلوفاكي ادوار هيغر.