خروج الجيش الأميركي من آخر قواعده في سوريا يربك قسد
دمشق - بدأت القوات الأميركية فجر الاثنين، بالانسحاب من آخر قاعدة عسكرية لها في سوريا، وهي قاعدة "قسرك"، الواقعة في ريف الحسكة شمال شرقي البلاد، فيما فهمت التحركات بأنها رسالة من واشنطن الى حليفها قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بضرورة التمسك باتفاق الاندماج مع دمشق وعدم التعويل على القوة العسكرية الأميركية في المستقبل.
وأفادت مصادر محلية بأن القوات الأميركية بدأت إخلاء قاعدة قسرك القريبة من منطقة "تل تمر" في محافظة الحسكة مضيفة أن عشرات الشاحنات اللوجستية التي تنقل معدات عسكرية تحركت من داخل القاعدة ضمن أرتال باتجاه الحدود العراقية. وكانت الولايات المتحدة انسحبت خلال آخر الفترة الماضية، من قواعدها العسكرية في منطقتي الشدادي والتنف في سوريا.
ويحتفظ الجيش الأميركي حالياً بتواجد في نقاط انتشاره بمناطق الرميلان وخراب الجير ولايف ستون، في الحسكة.
وكانت صحيفة وول ستريت جورنال قالت في وقت سابق، إنه مع اكتمال نقل عناصر تنظيم داعش إلى العراق، يستعد الجيش الأميركي لسحب قواته المتبقية، والبالغ عددها حوالي ألف جندي، من سوريا بالكامل خلال شهرين.
وحافظت الولايات المتحدة على وجودها العسكري في سوريا منذ عام 2015 في إطار عملياتها ضد تنظيم داعش الإرهابي.
ومع تحرك القوات الأميركية نحو إغلاق قاعدة "قسرك"، تتباين التقديرات بشأن الأبعاد الاستراتيجية لهذه الخطوة. فقد رأت بعض التحليلات أن الانسحاب قد يشكل إعادة ترتيب للوجود الأميركي في المنطقة، يركز على تقليل الاحتكاك المباشر مع الجماعات المسلحة، مع الحفاظ على أدوات الدعم الاستخباراتي والسياسي لشركاء واشنطن المحليين.
ومن منظور آخر، يُنظر إلى هذه التحركات كرسائل سياسية موجهة للفاعلين المحليين في سوريا، خصوصاً قوات سوريا الديمقراطية، مفادها أن الاعتماد على القوة الأميركية لم يعد مضموناً بالكامل، وأن الوقت قد حان لتعزيز الحوار والتفاهم مع دمشق لتأمين مستقبل إداري واستراتيجي مستقر.
كما يطرح هذا الانسحاب أسئلة حول قدرة الفصائل المحلية على ملء الفراغ الأمني المتوقع، خاصة في مناطق كانت تعتمد بشكل جزئي على الحماية الأميركية لمواجهة تهديدات تنظيم داعش وباقي الجماعات المسلحة. ورغم ذلك، يشير مسؤولون أميركيون سابقون إلى أن هذه الخطوة قد لا تعني تخلياً مطلقاً عن الدعم، بل تحولاً في أسلوبه من التواجد الميداني المباشر إلى آليات دعم عن بعد تشمل المعلومات الاستخباراتية والإمداد اللوجستي.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن فَهم الانسحاب بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي؛ فالملف السوري يتداخل مع مصالح دول إقليمية مثل تركيا وإيران وروسيا، ما يجعل أي خطوة أميركية موضع متابعة دقيقة من قبل اللاعبين الإقليميين. ويُفسر مراقبون أن تسريبات الانسحاب قد تكون جزءاً من أسلوب الضغط المتدرج، سواء لدفع قوى محلية نحو تسويات جديدة، أو لإرسال رسائل إلى أطراف خارجية حول نطاق النفوذ الأميركي ومرونته في التعامل مع الأزمات.
وعلى الصعيد السياسي، يشير مراقبون إلى أن إعادة تموضع الولايات المتحدة يمكن أن تمنح الحكومة السورية فرصة لاستعادة بعض السيطرة على مناطق استراتيجية، لكن هذا لا يلغي الدور الأميركي في دعم استقرار الميدان، إذ يبقى تأثيره واضحاً من خلال دعم الحلفاء المحليين والاحتفاظ بخيارات الردع المحتملة ضد أي جماعات تهدد الأمن الإقليمي.
وفي المجمل، تبدو الخطوة الأميركية المقبلة بمثابة تعديل للوجود العسكري وليس انسحاباً نهائياً. فهي تعكس محاولة لتحقيق توازن بين الحاجة إلى تخفيف التكاليف والالتزامات المباشرة، وبين الحفاظ على النفوذ السياسي والأمني في سوريا، بما يتيح لواشنطن الاستمرار في التأثير على مجريات الأحداث دون الالتزام بحضور ميداني واسع. وبهذه الطريقة، يمكن قراءة الانسحاب على أنه جزء من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع الموارد الأميركية العالمية، مع المحافظة على خطوط دعم شركاء محليين ضمن سياق مصالح أميركية أكبر في الشرق الأوسط.