دعوني أتنزه كي أتذوق طعم المجد
ماذا ستقول "مرسيدس" زوجة النوبلي السابق الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز عن النوبلي الجديد البيرواني ماريو بارغاس يوسا بعد ان وجه لكمة الى عين زوجها، عندما وصفته آنذاك بـ" "ماريو غيور أحمق"! ماذا ستقول اليوم عندما عادلَ هذا الاحمق زوجها في أشهر جوائز الادب في العالم!
هذه الحكاية تم تداولها بالامس بطريقة دراماتيكية، وليس ثمة مناسبة أكثر أهمية من ان تنزل على الكاتب ثروة جائزة نوبل!
ثمة معادل في حكاية الزوجات مرسيدس وباتريثيا يرويها بارغاس يوسا بقوله "كنت مستيقظا اعمل منذ الخامسة صباحا ورن الهاتف.. حضرت باتريثيا وقالت لي (اتصل سيد يتكلم الانكليزية وقطع الاتصال)".
ان ذلك السيد كان في الواقع "السكرتير العام للاكاديمية السويدية، ظننت انه مقلب، فقد وقع الكاتب الايطالي البرتو مورافيا في المقلب الخبيث ذاته، اتصل به احد اعدائه، لكنه لم يكن حصل على الجائزة في الواقع".
تدارك النوبلي الجديد فرحة بقوله "اشعر بالرغبة في القيام بنزهة في حديقة سنترال بارك، انها طريقة جيدة لبدء يوم نيويوركي".
هو يقيم منذ اشهر في الولايات المتحدة لالقاء محاضرات في جامعة برينستون.
اذن نوبل وصلت هذا الكاتب (74 عاما) المنقلب من أقصى اليسار الى أقصى اليمين، وهذا مالم تتداوله الاكاديمية السويدية في اعلانها عندما ذكرت "رسمه لخارطة السلطة وصوره الحادة حول صمود الفرد وتمرده وفشله".
واشاد سكرتير الاكاديمية السويدية بيتر انغلوند ببارغاس يوسا ووصفه بـ"اديب ملتزم في المجتمع".
فيما يعتبر بارغاس يوسا ان "الكاتب لا يفترض به ان يكون مسليا فحسب".
ويقول "لا ينبغي للكاتب ابدا ان يتحول تمثالا"، موضحا "لم يرق لي يوما مفهوم الكاتب العالق في مكتبته، المعزول عن العالم مثل الفرنسي مارسيل بروست، يجب ان ابقي قدمي على ارض الواقع واتعرف على ما يدور حولي، لهذا السبب لا ازال امارس الصحافة".
اللكمة بين النوبلي السابق والجديد
يبدو من المناسب سرد الحكاية "حكاية اللكمة" كما هي، بعد ان ركزت عليها وكالات الانباء بالامس أكثر من طبيعة الجائزة الادبية، اذ كشف المصور الفوتوغرافي رودريجو مويا عن صور نادرة للأديب الكولومبي الحاصل على جائزة نوبل غابريال غارسيا ماركيز يظهر فيها وقد تورمت احدى عينيه وأحيطت بكدمة ظاهرة عقب تلقيه لكمة من الكاتب البيرواني ماريو بارغاس يوسا.
وعلى الرغم من أن مويا لم يمارس عمله لفترة طويلة، حيث اقتصر على الفترة بين عامي 1955 و1967، الا أنه يعد واحدا من اهم المصورين في القارة اللاتينية، وهو ما يجعله يمتلك مجموعة كبيرة من الصور التاريخية والنادرة.
وكشف مويا لصحيفة لابانجورديا الاسبانية عن امتلاكه صورا نادرة لماركيز يظهر فيها بعين متورمة جراء لكمة تلقاها من يوسا. ويروي المصور الشهير انه في 12 فبراير/شباط من عام 1976، وخلال العرض الخاص لاحد الأفلام في مكسيكو سيتي قام يوسا بتوجيه لكمة قوية لماركيز طرحته أرضا في وجود الكثير من الشهود.
ويشير الى انه في اليوم التالي تلقى مكالمة هاتفية من ماركيز يستأذنه فيها أن يزوره في منزله ليلتقط له عدة صور، وقال انه عندما جاء الى منزله كان يضع نظارة شمسية سوداء كشف عنها فظهرت احدى عينيه متورمة وقد أحاطتها الزرقة.
ويقول مويا ان ماركيز لم يكن يبدو عليه الغضب على الاطلاق بسبب اللكمة، بل أنه تندر بالواقعة، وقال ضاحكا "ماريو سدد لي لكمة قوية، لقد أخذني على حين غرة"، مضيفا أنه يرغب في الظهور في هذه الصور مبتسما وضاحكا دون علامات الجدية التي اعتاد الظهور بها في الصور.
وأعرب عن اعتقاده في أن ماركيز رغب في التقاط هذه الصور حتى يخلد الحدث، مشيرا الى أنه لم يكشف صراحة عن سبب اللكمة، وان كان ألمح الى الاختلافات السياسية بينه وبين يوسا، فيما اكتفت زوجته مرسيدس بالتعقيب قائلة "ماريو غيور أحمق
وأكد المصور أنه سلم الصور لماركيز، فيما احتفظ بالنيجاتيف 30 عاما، مشيرا الى أنه كشف عن بعضها في عام 2007 لصحيفة لاخورنادا المكسيكية.
الكاتب أم المرشح المنهزم؟
ماريو فارغاس يوسا سبق ان هاجم الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز في وسط كراكاس، آخذا عليه انه وضع بلاده على طريق "دكتاتورية شيوعية" وهو اليساري السابق الذي انقلب الى أقصى اليمين!
وغالبا ما يشن فارغاس يوسا المرشح اليميني السابق الذي لم يحالفه الحظ للانتخابات الرئاسية عام 1990 في البيرو، حملات على تشافيز الحليف المقرب من نظام كوبا الشيوعي.
ورأى الكاتب الذي كان في الماضي من المعجبين بـ"الثورة" الكوبية قبل ان يتحول الى معارض شرس لها "اذا لم يتوقف هذا المسلك، فسوف تتحول فنزويلا الى كوبا ثانيا في اميركا اللاتينية. علينا الا نسمح بذلك".
لكن ماذا عن روايته الجديدة، هل يمكن ان تكون هذه الاراء المحتدمة، التي تحول الكاتب الى سياسي بامتياز "السياسيون الكبار كذابون كبار"، ان يكتب عن تاريخ مناضل قومي؟
نعم! فقد استوحى فارغاس يوسا روايته من سيرة ايرلندي في الكونغو.
وقال انه استوحى روايته الاحدث من سيرة المناضل الايرلندي القومي روجر كيسمنت الذي اعترض على انتهاكات حقوق الانسان في الكونغو مطلع القرن العشرين وحكم عليه الانكليز بالاعدام شنقا بعدما دانوه بالخيانة.
وقال مؤلف "العمة خوليا والناسخ" و"موتي في جبال الانديس" انه "اعجب بالتجربة الغنية للدبلوماسي البريطاني التي تنطوي على مغامرة".
واوضح انه اكتشف قصة هذا الرجل خلال قراءته سيرة لجوزيف كونراد.
وكيسمنت الذي دافع عن حقوق هنود الامازون، اشتهر في 1904 عندما نشر تقريرا يتحدث عن انتهاكات حقوق الانسان في الكونغو ابان في عهد الملك البلجيكي ليوبولد الثاني.
وشكل هذا التقرير الدافع لاقدام بلجيكا على اعادة النظر في نمط ادارتها لهذا البلد الافريقي.
وزار يوسا الكونغو الديمقراطية العام المنصرم، كما زار ايرلندا الشمالية من اجل "التآلف مع البيئة والمناظر الطبيعية والحياة الاجتماعية" التي يصفها في كتابه وان "بتصرف".
ويصف فارغاس يوسا المناضل الايرلندي "كيسمنت كان من اوائل الاشخاص الذين رأوا ووثقوا لوحشية الاستعمار، كان طليعيا"، مؤكدا ان "الرواية مستوحاة من احداث حقيقية"."
وكان كيسمنت مؤيدا للتيار الاستقلالي في ايرلندا. غير انه اعتقل خلال الحرب العالمية الاولى بتهمة الخيانة ونفذ فيه الانكليز عقوبة الاعدام شنقا في 1916. "هل ستذكر هذه القصة البعض بشيء ما مشابه؟".
وسيصدر يوسا احدث كتبه الذي تطلب انجازه عامين ويحمل عنوان "حلم الرجل السلتي" قبل نهاية العام الحالي في المكتبات الاميركية والاسبانية.
وقال الكاتب الذي انهى مؤخرا بحثا يتناول الكاتب خوان كارلوس اونيتي من الاوروغواي "ينبغي للمرء ان يخطط لمشاريع مستقبلية وان يحاول اشباع فضوله وان يبقى حيويا".
عمل يوسا بين 1959 و1960 في القسم الاسباني لمكتب وكالة الصحافة الفرنسية في باريس قبل ان ينجز الرواية التي اكتسب شهرة بعدها "المدينة والكلاب" التي تجري احداثها في مدرسة عسكرية في ليما.
وترشح يوسا في 1990 للانتخابات الرئاسية عن يمين الوسط على الرغم من انخراطه في شبابه في تيار سياسي يساري.
ويقول "على الكاتب التزام اخلاقي يقضي بأن ينخرط في الحياة المدنية واحيانا في السياسة ايضا".
الانضباط والفضول
وخلال مساره المهني المديد الذي اخذه الى اماكن مختلفة، لم يكف فارغاس يوسا الا نادرا عن الكتابة مازجا "الانضباط" و"الفضول" وهما صفتان يعدهما اساسيتين لأي كاتب.
ويقول مبتسما "انني محظوظ جدا لاني حظيت بفرصة رائعة وهي ان اكرس معظم وقتي لممارسة النشاطين الاحب بالنسبة اليه الا وهما الكتابة والقراءة".
ترجم انتاج فارغاس يوسا الذي يضم حوالي ثلاثين عملا بين الرواية والدراسة والمجموعة القصصية والمسرح في العالم باسره ويرد اسمه بانتظام منذ سنوات بين المرشحين لجائزة نوبل.
وقال ماريو فارغاس يوسا في تصريح للاذاعة الكولومبية معلقا على منحه الجائزة "لم تراودني الفكرة حتى بانني مرشح".
واضاف "اعتقد انه اعتراف بادب اميركا اللاتينية والادب باللغة الاسبانية، وهو امر يجب ان نسعد به جميعا".
وبذلك ينضم ماريو فارغاس يوسا الى سلالة من كبار الكتاب المتحدرين من اميركا اللاتينية الذين كللتهم الاكاديمية السويدية، بعد المكسيكي اوكتافيو باث قبل عشرين سنة، ومن قبله الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز (1982) والتشيلي بابلو نيرودا (1971) والغواتيمالي ميغيل انخيل استورياس (1967) مؤلف رواية "السيد الرئيس".
ظل فارغاس يوسا قريبا من اقصى اليسار ولا سيما ابرز اقطابه الزعيم الكوبي فيدل كاسترو حتى العام 1971 وبعدما انفصل عن هذا التوجه تقدم في 1990 كمرشح مستقل للانتخابات الرئاسية في البيرو.
وحين هزم امام البرتو فوجيموري الذي حقق انذاك فوزا كاسحا، غادر بلاده وحصل على الجنسية الاسبانية عام 1993.
وان كان مسار فارغاس يوسا الادبي حافلا بالنجاحات والامجاد، الا ان حياته الخاصة مليئة بالتقلبات.
ولد في اريكيبا جنوب البيرو في 28 اذار/مارس 1936 ونشأ مع والدته وجديه في كوتشابامبا في بوليفيا ثم في البيرو. وبعدما درس في الاكاديمية العسكرية ليونثيو برادو في ليما حاز شهادة في الاداب من جامعة سان ماركو في ليما ثم حصل على منحة مكنته من مواصلة دراساته حتى حصل على دكتوراه من مدريد.
زوجته الاولى التي كانت تكبره 15 عاما كانت زوجة عمه المطلقة خوليا اوركيدي، وقد استوحى منها على الارجح روايته "العمة خوليا والكاتب" الصادرة عام 1977 والتي يروي فيها المراسل السابق في وكالة الصحافة الفرنسية قصة فتى تراوده احلام ادبية ويغرم بزوجة عمه خوليا.
وبعد سنة على فشل زواجه مع خوليا التي توفيت في اذار/مارس الماضي، تزوج في 1965 ابنة عمه باتريثيا يوسا.
صعد نجم بارغاس يوسا سماء العالمية عام 1966 بعد نشر روايته (زمن البطل) التي تدور أحداثها حول عملية قتل في أكاديمية عسكرية.
ومن بين اشهر روايات بارغاس يوسا (ألاعيب الطفلة المشاغبة) عام 2006 و(زمن البطل) عام 1962 و(حفلة التيس) عام 2000.
وتستند أعمال يوسا الى خبرته في الحياة في بيرو في أواخر الأربعينات والخمسينات.
وقال رئيس بيرو آلان جارسيا ان بارغاس يوسا يستحق الجائزة منذ فترة طويلة.
واضاف "انه يوم عظيم لأن العالم أقر بما يتمتع به ماريو بارغاس يوسا من رؤية تستند الى ذكاء متوقد ومثل تحررية وديمقراطية".