روسيا تضغط عسكريا في أوكرانيا لتحقيق مكاسب سياسية

الروس يطبقون الحصار على عدة مدن في شمال شرق وفي جنوب شرق أوكرانيا وقطعوا الإمدادات، إلا أن معركة كييف لم تبدأ بعد رغم عمليات القصف المنتظمة التي تستهدف العاصمة ولم ينه الجيش الروسي بعد مناورته لتطويقها.
العملية العسكرية الروسية تحولت من خاطفة إلى شاملة
دعم الغرب لأوكرانيا بالسلاح والمضادات الدفاعية والجوية أبطأ التقدم الروسي
الروس توقعوا انتصارا سريعا متجاهلين حاجاتهم اللوجستية

باريس - كان من المتوقع أن يكون الغزو الروسي لأوكرانيا عملية خاطفة في شرقها لكن سرعان ما توسع باتجاه العاصمة كييف والوصول إليها يتطلب السيطرة على مدنها شرقا وغربا بدرجة أولى، لكن الجيش الروسي اصطدم بمقاومة أوكرانية شرسة من المتوقع أن تتعزز من خلال الدعم الغربي بالمال والسلاح.

وإلى حدّ الآن تبدو العملية الروسية أبطأ بكثير مما كان مخططا لها إلى درجة أن دولا غربية اعتبرتها عملية فاشلة واستبعدت أن تحقق روسيا مكاسب عسكرية سريعة.

وبعدما فشل في تحقيق مكاسب سريعة في بداية غزوه لأوكرانيا، يتقدّم الجيش الروسي شيئا فشيئا في مواجهة القوات الأوكرانية التي لا تزال تقاوم، ويسعى إلى تحقيق إنجازات عسكرية قابلة للتحوّل إلى مكاسب سياسية، وفق خبراء.

ويرى مراقبون غربيون كثرٌ أن الروس فشلوا في دخولهم الحرب متوقعين مقاومة ضعيفة من جانب خصمهم وانتصارا سريعا متجاهلين حاجاتهم اللوجستية.

ويشير فيليب غرو وفانسان توريه في مذكرة صادرة عن مؤسسة البحث الاستراتيجي إلى أن "عدم فعالية القوة القتالية الروسية وقوة المقاومة العسكرية الأوكرانية هما مفاجأة حقيقية".

وبعدما فشلوا في ترسيخ التفوق الجوي في الأجواء الأوكرانية، لم يشنّ الروس عملية كبيرة منذ مطلع مارس/اذار ويصطدمون بدفاع أوكراني قوي، بما في ذلك على أبواب العاصمة كييف.

واعتبرت وزارة الدفاع البريطانية في تقييم للوضع الخميس أن "الغزو الروسي في حالة جمود على كافة الجبهات".

وإذا كان الروس قد أطبقوا حصارا على عدة مدن في شمال شرق البلاد (سومي، خاركيف) وفي جنوب شرق البلاد (ماريوبول) وقطعوا الإمدادات، إلا أن معركة كييف لم تبدأ بعد، رغم عمليات القصف المنتظمة التي تستهدف العاصمة. ولم ينهِ الجيش الروسي بعد مناورته لتطويقها.

ويعتبر خبراء مؤسسة البحث الاستراتيجي أن السيطرة على هذه المدينة التي تعدّ 2.8 مليون نسمة "تتطلب على الأرجح قوات يتراوح عددها بين 150 و200 ألف عنصر"، مذكرين بضرورة أن يكون توازن القوى ساحقا للقتال في منطقة حضرية، حيث تكون الأفضلية دائما للمُدافع.

غير أن مصدرا عسكريا غربيا يؤكد أنه رغم الصعوبات الموجودة على الأرض، فإن "التفوّق العسكري الروسي ليس موضع تشكيك"، مشيرا إلى أن "الاستراحة التشغيلية التي نشهدها تسمح للقوات الروسية بأن تتجدد وتحشد تعزيزات للانطلاق مجدّدا وبدء مرحلة ثانية".

ويقول البنتاغون إن الـ150 ألف عسكري روسي الذين تمّت تعبئتهم لهذه الحرب، منخرطون في النزاع على الأراضي الأوكرانية. ووفق تقديرات الاستخبارات الأميركية التي نقلتها صحيفة نيويورك تايمز فإن موسكو فقدت سبعة آلاف جندي خلال ثلاثة أسابيع، ما يمثل أكثر من 300 قتيل يوميا على أرض المعركة.

وإذ ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحذر، فالواقع هو أن الجيش الروسي المنخرط في الهجوم منذ 24 فبراير/شباط، يحتاج إلى التجدّد للاستمرار. تسعى موسكو لضخّ دمّ جديد في صفوف جيشها وقد وعدت بعدم اللجوء إلى المجنّدين، فيما تحشد جنود الاحتياط وأطلقت مؤخرا حملة تجنيد للسوريين.

ويلفت الجنرال الأميركي المتقاعد بن هودجز من مركز تحليل السياسة الأوروبية في واشنطن إلى أن "الذخائر والقوات بدأت تنفد لدى الجنرالات الروس. وبحسب البنتاغون، فإن 50 بالمئة من القدرات القتالية الروسية موضوعة في أوكرانيا. في ذروة انخراطنا في العراق وأفغانستان، كان الجيش الأميركي منخرط بنسبة 29 بالمئة وكان من الصعب جدا الاستمرار"، معتبرا أن "الأيام العشرة المقبلة حاسمة" مذكّرا بأن الغرب "سرّع وكثّف الدعم الذي يقدّمه لأوكرانيا".

واعتبر المؤرخ العسكري الفرنسي ميشال غويا أن ثمة "نقطتَي انفراج محتملتين على المدى القصير: في ماريوبول ودونباس".

وبحسب هيئة الأركان الفرنسية، قد يحاول الروس أيضا تطويق 40 ألف عسكري أوكراني منتشرين على الجبهة الشرقية في جيب عبر السيطرة على مدينة دنيبرو التي تشكل "نقطة عبور إستراتيجية بين الغرب والشرق" وحيث "هناك شعور بأن القوات الروسية تتحرك باتجاه نقطة لقاء".

ويرى الكولونيل باسكال ياني أن "ذلك من شأنه أن يقسم الجيش الأوكراني إلى نصفين وهذا يحمل معنى حقيقيا على الصعيد العسكري" أي "من أجل التسبب بانهياره، أو كي تكون موسكو في موضع قوة في المفاوضات".

والفرضية الثانية تعني ماريوبول، فهذه المدينة الساحلية الإستراتيجية المطلة على بحر آزوف محاصرة وتتعرض لقصف متواصل منذ أكثر من أسبوعين. ورغم إجلاء 20 ألف مدني في مطلع الأسبوع، إلا أنه لا يزال هناك 300 ألف شخص محاصرين ومحرومين من الكهرباء والمياه.

ومن شأن السيطرة على ماريوبول أن تمكن الروس من أن يصلوا جغرافيا بين منطقة دونباس الانفصالية الموالية لموسكو وشبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا عام 2014.

وتتكبد القوات الأوكرانية أيضا خسائر لكنّها تمكّنت حتى الآن من إلحاق خسائر مادية وبشرية فادحة بالروس، خصوصا بفضل دفاع جوي فعّال.