ريم مصطفى تشعل صراع العقول في "فن الحرب"

ياسمين النشرتي العقل المدبر لعملية نصب كبرى تدخل مواجهة نفسية ولعبة دهاء مع يوسف الشريف.

القاهرة ـ تشهد شخصية ياسمين النشرتي تحولات درامية عميقة داخل أحداث مسلسل "فن الحرب"، لتنتقل من سيدة أعمال راقية تحيط نفسها بهالة من الغموض والهدوء، إلى العقل المدبر لإحدى أكبر عمليات النصب المرتبطة بقضية "أرض المستقبل".

 ومع تصاعد الحلقات، تتكشف طبقات الشخصية تدريجيا عبر بناء درامي يعتمد على المفاجأة والفلاش باك، ليضع ياسمين في قلب الصراع الرئيسي، ليس فقط كخصم، بل كمحرك أساسي لكل الخيوط المتشابكة.

منذ ظهورها الأول في مقابلة تلفزيونية، بدت ياسمين متزنة، متعاطفة، تتحدث بثقة عن زوجها السابق توفيق إبراهيم، رئيس مجلس إدارة شركة "أرض المستقبل"، الذي أُلقي القبض عليه بتهم النصب.

وقدمت نفسها بوصفها زوجة سابقة لم تكن على دراية بخفايا الأمور، وكأنها ضحية أخرى سقطت في فخ رجل طمِع.

في المقابل، كان زياد – الذي يجسده يوسف الشريف – يتابع تسجيلات القضية القديمة، في إشارة واضحة إلى أن الماضي لم يُغلق بعد، وأن ياسمين تمثل مفتاح اللغز. هذا التوازي بين الصورة الإعلامية لياسمين وشكوك زياد شكّل أول شرارة لصراع العقول الذي يقوم عليه العمل.

إثارة وتشويق
إثارة وتشويق

وبلغت الأحداث ذروتها مع انكشاف الوجه الحقيقي لياسمين، عبر مشاهد الفلاش باك، يتبين أن زواجها من توفيق لم يكن عاطفياً، بل خطوة مدروسة ضمن خطة للاستيلاء على ثروته واستغلال اسمه التجاري في جمع مليارات الجنيهات من المواطنين. وأحكمت سيطرتها عليه تدريجياً، فعزلته عن أسرته، وأقنعته بإخلاصها، ثم تخلت عنه في اللحظة الحرجة، تاركة إياه يواجه مصيره وحده.

لم تكتفِ بذلك، بل عقدت تحالفات خفية مع شخصيات نافذة، مستفيدة من ذكائها وقدرتها على قراءة الطموحات والمخاوف. واعتمد المسلسل، الذي كتبه عمرو سمير عاطف وأخرجه محمود عبد التواب توبة، على إيقاع تصاعدي في كشف المؤامرة، بحيث تبدو كل حلقة كقطعة جديدة من أحجية كبيرة تتوسطها ياسمين.

وترى ياسمين الحياة كساحة معركة، لا مكان فيها للضعفاء. لا تعتبر نفسها شريرة، بل ناجية تعرف كيف تستبق الضربات. هذا المنظور ينعكس في كل قراراتها؛ فهي لا تتحرك بعاطفة، بل بحسابات دقيقة. حتى مشاعرها تبدو محسوبة، وكأنها تخشى أن يكون التعاطف ثغرة تُستغل ضدها.

وعندما تكتشف أن زياد يقترب من تفكيك شبكتها، تبادر بخطوة هجومية. تزور "مي" – الذراع اليمنى لزياد – وتعرض عليها المال مقابل الابتعاد عنه، بل وتلمّح إلى قدرتها على تغيير مصير شقيقها المسجون. تنجح مؤقتاً في اختراق الدائرة المقربة من خصمها، لتبدأ لعبة أعصاب معقدة، عنوانها الخداع والاستباق.

في الحلقات القادمة، تدخل شخصية ياسمين مرحلة جديدة أكثر خطورة، فبعد أن كانت تسيطر على المشهد من خلف الستار، تبدأ الشكوك تحاصرها من الداخل. أحد شركائها القدامى يطالب بنصيبه الكامل، مهدداً بكشف مستندات تدينها إن لم تستجب. وفي الوقت نفسه، يكتشف زوجها الحالي – رجل الأعمال النافذ – وجود تحويلات مالية مشبوهة تربطه باسمها، ما يفتح باباً جديداً للصراع داخل منزلها نفسه.

هذا التطور يضع ياسمين في موقف دفاعي للمرة الأولى. تضطر إلى اتخاذ قرارات متعجلة، بعضها ينطوي على مخاطرة غير محسوبة. نراها أكثر توتراً، أقل ثقة، وكأن القلعة التي بنتها بإحكام بدأت تتشقق من الداخل.

قصص متشعبة
قصص متشعبة

وتكشف الحلقات المقبلة جانباً إنسانياً خفياً في شخصيتها، عبر استرجاع ماضٍ مليء بالخذلان والخسارة. يتضح أن نشأتها في بيئة مضطربة زرعت بداخلها قناعة مبكرة بأن الأمان وهم، وأن الاعتماد على الآخرين مغامرة خاسرة. هذا البعد لا يبرر أفعالها، لكنه يفسر منبع قسوتها وبرودها.

مع تضييق الخناق عليها من زياد ومن بعض حلفائها الذين بدأوا يشكون في نواياها، قد تلجأ ياسمين إلى خطوة أخيرة تعيد خلط الأوراق. هناك مؤشرات إلى أنها تفكر في التضحية بأحد شركائها الكبار لتقديمه "كبش فداء"، في محاولة لشراء الوقت وإعادة ترتيب صفوفها.

لكن المفارقة أن كل حركة تقوم بها الآن تُراقب بدقة، حيث يقترب زياد خطوة بخطوة من كشف الثغرة التي طالما أفلتت منها. الصراع لم يعد فقط قانونياً أو مالياً، بل وجودياً؛ معركة إرادات بين عقلين يرفضان الاستسلام.

وتقدم ريم مصطفى أداءً يعتمد على التفاصيل الدقيقة من نظرة ثابتة، نبرة صوت منخفضة، إلى حركة محسوبة، فهي لا تصرخ ولا تنفعل، بل تترك الصمت أحياناً ليقول ما هو أخطر من الكلمات. ويجعل هذا الاختيار الشخصية أكثر إقناعاً، ويمنحها ثقلاً درامياً يوازي حضور خصمها.

ويؤكد يوسف الشريف أن وجود خصم ذكي مثل ياسمين يمنح العمل توازنا حقيقيا، لأن الصراع لا يولد من ضعف أحد الطرفين، بل من تكافؤ القوة بينهما.

ومع اقتراب الأحداث من ذروتها، تبدو ياسمين أمام مفترق طرق: إما أن تنجح في تنفيذ انقلاب أخير يعيدها إلى موقع السيطرة، أو أن تتكشف خيوط لعبتها دفعة واحدة، فتجد نفسها محاصرة من كل الجهات.

ويرسخ "فن الحرب" بهذا البناء المشوق، مكانته كعمل يعتمد على لعبة العقول أكثر من المواجهات المباشرة. وتتحول ياسمين النشرتي إلى شخصية محورية تعكس وجهاً معقداً للشر المعاصر؛ شر بارد، منظم، ومؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة.

ومع استمرار الحلقات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح ياسمين في الإفلات مرة أخرى، أم أن دهاءها سيقودها أخيرا إلى السقوط الذي طالما تفادته؟

في "فن الحرب"، لا أحد يربح بلا ثمن، وكل خطة محكمة تحمل في داخلها بذرة انهيارها.