'سفاح التجمع' يختبر سقف الحرية في السينما المصرية

في خضم جدل واسع أعقب سحب فيلم النجم أحمد الفيشاوي من دور العرض، الأسئلة تتجدد حول حدود الرقابة في مصر.

القاهرة - أثار قرار سحب فيلم "اعترافات سفاح التجمع"، تأليف وإخراج محمد صلاح العزب، من دور العرض السينمائي في مصر حالة واسعة من الجدل، أعادت إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول حدود الرقابة على الأعمال الفنية، والتوازن الدقيق بين حماية القيم المجتمعية وصون حرية الإبداع.

وفي بيان توضيحي، أكدت الرقابة على المصنفات الفنية أنها تنطلق في عملها من إطار تشريعي واضح، يهدف إلى حماية الثوابت الاجتماعية والالتزام الأخلاقي، دون أن يشكّل ذلك عائقًا أمام حرية التعبير الفني التي يكفلها الدستور المصري. وشددت على أن دورها لا يستهدف تقييد الإبداع، بل تنظيمه بما يضمن إنتاج أعمال ذات جودة، تراعي السياق المجتمعي وتحترم القوانين.

وأوضحت الرقابة أن الإجراءات التي اتُخذت بحق الفيلم جاءت نتيجة مخالفات محددة، أبرزها عدم تطابق النسخة المعروضة مع السيناريو الأصلي المُجاز رقابيًا، إذ تضمن العمل مشاهد وعناصر لم تكن واردة في النص الذي حصل على الترخيص. وهو ما استدعى حذف بعض المقاطع والعبارات وفقًا للضوابط المعمول بها.

كما أشارت إلى رصد عرض برومو ترويجي عبر الإنترنت دون تصريح رقابي، تضمن لقطات من المشاهد المحذوفة، إضافة إلى تداول أفيش دعائي غير مرخّص يحمل عبارة "مستوحى من أحداث حقيقية"، رغم تأكيد الشركة المنتجة عدم الارتباط المباشر بشخصية القاتل المعروف إعلاميًا بـ"سفاح التجمع". واعتبرت الرقابة أن هذا التناقض قد يفتح الباب أمام إشكالات قانونية وقضائية، خاصة في ما يتعلق بربط العمل بوقائع جنائية حساسة.

وبناءً على ذلك، تقرر سحب النسخ السينمائية مؤقتًا لفحصها، والتأكد من تنفيذ التعديلات المطلوبة، والالتزام الكامل بالتصنيف العمري والمعايير الرقابية، على أن يُعاد طرح الفيلم في دور العرض فور استيفاء هذه الشروط.

وينتمي الفيلم إلى فئة الدراما النفسية التشويقية، ويستند بشكل غير مباشر إلى قضية حقيقية هزت الرأي العام المصري عام 2024، والمتعلقة بالقاتل المتسلسل المعروف بـ"سفاح التجمع" (كريم سليم)، الذي أدين بقتل ثلاث نساء، وصدر بحقه حكم بالإعدام شنقًا تم تأييده في ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته.

وتدور أحداث العمل حول شاب ينشأ في عزلة، ويخوض مسارًا معقدًا من الاضطرابات النفسية التي تدفعه تدريجيًا نحو ارتكاب الجرائم، قبل أن يدخل في علاقة عاطفية تدفعه للتفكير في "الجريمة الأخيرة" كوسيلة لبناء حياة جديدة. ويركز الفيلم على تحليل البنية النفسية والاجتماعية للشخصية الرئيسية.

ويشارك في بطولته عدد من النجوم، من بينهم أحمد الفيشاوي (يجسد دور كريم)، صابرين، سينتيا خليفة (في دور لبنى ياقوت طليقة السفاح الحقيقي)، مريم الجندي، رنا رئيس، آية سليم، انتصار، ويسرا المسعودي.

ولم يكن الجدل المصاحب للفيلم وليد قرار سحبه، بل سبقه منذ مراحل الإنتاج، حيث تقدمت لبنى ياقوت، طليقة المتهم الحقيقي، بدعوى قضائية لوقف التصوير، كما تقدم محامو أسرة المتهم ببلاغات للنائب العام، بدعوى المساس بخصوصية القضية، التي كانت لا تزال منظورة أمام القضاء في بعض مراحلها آنذاك. كما أُثيرت دعاوى أخرى تتعلق بإفشاء أسرار شخصية.

في المقابل، شدد صناع العمل على أن الفيلم "مستوحى" من وقائع عامة، ولا يوثق الجريمة بشكل مباشر، معتبرين أن استخدام لقب "سفاح التجمع" يندرج ضمن توصيف إعلامي شائع، وليس إحالة دقيقة إلى شخصية بعينها.

قرار السحب قوبل بردود فعل متباينة داخل الوسط الفني وعلى منصات التواصل الاجتماعي. فقد اعتبر المخرج محمد هاني أبو العينين أن سحب الفيلم بعد منحه الترخيص يُعد قرارًا غير مبرر، مشيرًا إلى أن مشاهد العنف ليست استثنائية مقارنة بأعمال أجنبية تُعرض دون قيود مماثلة، ومؤكدًا أن الجمهور هو صاحب الحق في اختيار ما يشاهده.

ومن جهته، دعا المخرج أحمد حداد إلى قراءة أوسع للمشهد، معتبرًا أن الأزمة لا تتعلق بالرقابة وحدها، بل أيضًا بتحولات "الذوق العام" والمعايير الأخلاقية التي باتت، بحسب وصفه، متناقضة وتؤثر سلبًا على الصناعة. وأكد رفضه لسياسة المنع، مقابل دعوته إلى تعزيز النقد الفني الموضوعي بدل الأحكام الأخلاقية العامة.

وفي سياق التفاعل مع القرار، عبّر المخرج محمد العدل عن رفضه لسياسة المنع، مؤكدًا أن تكرار حجب الأعمال السينمائية "ليس حلاً"، معلنًا تضامنه مع أسرة فيلم "سفاح التجمع".

وتجدد هذه الواقعة النقاش حول موقع الرقابة في المشهد الثقافي، وحدود تدخلها في الأعمال الفنية، خاصة تلك المستوحاة من وقائع حقيقية لا تزال آثارها حاضرة في الوعي العام. وبينما تتمسك الجهات الرسمية بدورها التنظيمي والقانوني، يرى بعض المبدعين أن اتساع هامش الحرية بات ضرورة ملحة لإنعاش صناعة السينما.

وفي انتظار استيفاء الفيلم لملاحظات الرقابة وعودته المحتملة إلى دور العرض، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وإطلاق العنان للإبداع، دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟