سلام في جولة أوروبية بحثا عن دعم مالي وسياسي

الدبلوماسية اللبنانية تتحرك في مساحة ضيقة بين الحاجة العاجلة للدعم الدولي واستحقاقات داخلية مؤجلة.

بيروت - يتوجه رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الثلاثاء، إلى لوكسمبورغ للقاء وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، قبل أن ينتقل إلى باريس لعقد مباحثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في زيارة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية ملحة، في ظل مرحلة دقيقة يمر بها لبنان عقب عدوان إسرائيلي مدمر وهدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة.

وتأتي هذه الجولة الأوروبية بدعوة من الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حيث يسعى سلام إلى حشد دعم أوروبي مزدوج: مالي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وإنعاش الاقتصاد اللبناني المتداعي، وسياسي لتثبيت وقف إطلاق النار والضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها المتواصلة.

ورغم دخول هدنة لمدة عشرة أيام حيز التنفيذ مؤخراً، إلا أن الوقائع الميدانية تعكس هشاشتها، إذ تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في مناطق جنوب لبنان، مع إعلانها عدم نيتها الانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها. ويعزز ذلك المخاوف من عودة التصعيد في أي وقت، ما يجعل التحرك الدبلوماسي اللبناني بمثابة سباق مع الزمن لتثبيت التهدئة.

وخلف العدوان الذي بدأ في الثاني من مارس/اذار الماضي خسائر بشرية ومادية جسيمة، حيث تجاوز عدد القتلى ألفي شخص، إلى جانب آلاف الجرحى وأكثر من مليون نازح ودمار هائل في البنية التحتية من مبان وجسور وغيرها من المرافق، ما وضع الدولة اللبنانية أمام تحديات غير مسبوقة في الإغاثة وإعادة الإعمار. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة سلام أهمية خاصة لكونها تفتح قنوات مباشرة مع الشركاء الأوروبيين القادرين على لعب دور محوري في تمويل مشاريع إعادة البناء ودعم البنية التحتية المنهكة.

وفي باريس، يرتقب أن تركز المحادثات مع ماكرون على تثبيت وقف إطلاق النار، وتأكيد دعم وحدة الأراضي اللبنانية، إضافة إلى مناقشة آليات تقديم المساعدات الإنسانية للنازحين، ودعم مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية. وتراهن بيروت على الدور الفرنسي كوسيط فاعل يمكنه المساهمة في توفير ضمانات سياسية وأمنية تحد من الخروقات الإسرائيلية المتكررة.

غير أن التحدي الأعمق يظل داخلياً، ويتمثل في ملف حصر السلاح بيد الدولة، الذي يشكل عقدة مزمنة تؤثر على مختلف المسارات السياسية والأمنية، فتمسك حزب الله بسلاحه، باعتباره جزءاً من محور إقليمي تقوده إيران، يضعف قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة، ويعقّد أي جهود دولية لتقديم دعم مشروط بالإصلاحات وتعزيز مؤسسات الدولة.

ويجعل هذا الواقع من زيارة سلام محاولة لإقناع الشركاء الأوروبيين بأن دعم لبنان لا يمكن أن يقتصر على المساعدات المالية، بل يتطلب أيضاً انخراطاً سياسياً يوازن بين الضغوط الخارجية والتعقيدات الداخلية، فإعادة الإعمار لا تنفصل عن الاستقرار، والاستقرار بدوره يظل رهين معادلات إقليمية متشابكة.

وتتحرك الدبلوماسية اللبنانية في مساحة ضيقة بين الحاجة العاجلة للدعم الدولي، واستحقاقات داخلية مؤجلة، فيما تبقى البلاد معلقة على هدنة هشة، تختبر يومياً قدرتها على الصمود أمام احتمالات الانفجار مجدداً.