'سوق أتاي' دراما مغربية تبرز تحديات المرأة الحسانية
الرباط ـ تراهن قناة العيون خلال شهر رمضان على عمل درامي حساني يحمل عنوان "سوق أتاي"، وتعرضه يوميا مباشرة بعد الإفطار، في خطوة تعكس سعي القناة إلى ترسيخ الإنتاجات المحلية الناطقة بالحسانية، والاقتراب أكثر من نبض المجتمع الصحراوي وقضاياه.
وينفتح المسلسل على عالم تجارة الشاي بمدينة العيون، في دراما اجتماعية تمزج بين التشويق والصراع العائلي، وتطرح أسئلة السلطة والمال والولاء داخل الأسرة الواحدة.
وحرص الممثلون على الترويج للمسلسل على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنهم فتيحة بومغوط.
وتدور الأحداث حول رجل أعمال عصامي يُلقب بـ"الحاج"، بنى اسمه وسط "سوق أتاي" وأصبح أحد أبرز المتحكمين في تجارة الشاي بالمنطقة، غير أن هذا النجاح لا يخلو من منافسة شرسة وخصوم يتربصون به داخل السوق، حيث تختلط المصالح بالتحالفات الخفية.
وتنطلق الحبكة حين يجمع "الحاج" أفراد أسرته إلى عشاء عائلي يبدو في ظاهره عاديا، لكنه يتحول إلى نقطة تحول حاسمة، إذ يعلن عن عودة ابنته "منة" إلى البيت، وتكليفها بمساعدته في إدارة الشركة ومخازن الشاي، بعد شكوك قوية راودته بشأن وجود اختلاسات مالية وتجاوزات داخل مشروعه.
ويشعل قرار "الحاج" الفردي بإسناد الإدارة لابنته فتيل التوتر داخل العائلة، خاصة أن زوجته كانت تطمح إلى تمكين ابنها الأكبر من المنصب نفسه، لتتحول أجواء البيت إلى ساحة صراع خفي تتقاطع فيها الطموحات الشخصية بالحسابات التجارية.
ومع توالي الحلقات، لا تبقى المواجهة محصورة في الحاضر، بل تمتد إلى "الماضي الدفين" لعائلة الحاج وشركائه القدامى.
وتبدأ خيوط أسرار قديمة في الظهور، تعيد فتح ملفات ظلت لسنوات طي الكتمان، وتكشف عن أدوار خفية لبعض الشخصيات في تغيير موازين القوى داخل "سوق أتاي". هذا التوسع في الخط الزمني يمنح العمل بعدا تشويقيا إضافيا، إذ يتوقع أن تشهد الحلقات المقبلة استرجاعات زمنية تكشف كيف تأسست إمبراطورية الحاج، ومن ساهم فعلياً في بنائها، ومن دفع الثمن في صمت.
وتبدو آفاق المسلسل في الحلقات القادمة مفتوحة على أكثر من مسار درامي، أول هذه المسارات يتعلق بشخصية "منة"، التي يُنتظر أن تنتقل من موقع الدفاع عن شرعيتها داخل الشركة إلى موقع المبادرة، عبر كشفها لشبكات التلاعب داخل المخازن، وربما اصطدامها المباشر بأحد إخوتها أو أحد شركاء والدها.
وسيجعلها هذا التحول أمام اختبار مزدوج: إثبات كفاءتها المهنية من جهة، والحفاظ على تماسك العائلة من جهة أخرى.
ويرتبط المسار الثاني بشخصية الابن الأكبر، الذي قد يجد نفسه مدفوعاً إلى التحالف مع أطراف خارجية في السوق للضغط على والده وإفشال تجربة أخته. ومن هنا قد تتسع رقعة الصراع لتشمل تجاراً منافسين يسعون إلى استغلال الانقسام العائلي للسيطرة على جزء من تجارة الشاي، ما يهدد مكانة "الحاج" التاريخية داخل السوق.
أما المسار الثالث فيتعلق بزوجة الحاج، التي قُدمت منذ البداية كشخصية معقدة، ليست شريرة بالمطلق، بل مدفوعة بهاجس حماية مستقبل ابنها. وقد تمنحها الحلقات القادمة مساحة أوسع، سواء عبر كشف خلفيتها الاجتماعية ودورها في صعود زوجها، أو عبر دخولها في لعبة النفوذ من وراء الستار، مستعملة شبكة علاقاتها داخل العائلات التجارية بالمدينة.
من جهة أخرى، يفتح المسلسل ملفات اجتماعية أوسع، مثل تحولات السوق التقليدي في ظل المنافسة الحديثة، ودخول مستثمرين جدد بأساليب تسيير عصرية قد تصطدم بثقافة الثقة الشفوية والاتفاقات غير المكتوبة التي تحكم "سوق أتاي".
هذا الصدام بين القديم والجديد قد يشكل أحد أبرز محاور التصعيد الدرامي، خاصة إذا ما وجد "الحاج" نفسه مضطراً إلى مراجعة قناعاته للحفاظ على استمرارية مشروعه.
وتؤكد تصريحات كاتبة السيناريو لمياء الخلوفي أن العمل لا يختزل الصراع في ثنائية الخير والشر، بل يراهن على مناطق رمادية داخل الشخصيات.
ويمنح هذا التوجه حلقات المسلسل المقبلة إمكانية تعميق البعد النفسي لكل شخصية، وكشف تناقضاتها الداخلية، بما في ذلك الحاج نفسه، الذي قد يُجبر على مواجهة أخطاء ارتكبها في الماضي، سواء في حق شركائه أو أسرته.
وأشار المخرج يونس الركاب إلى اعتماد إيقاع متدرج يتصاعد مع انكشاف الأسرار، وهو ما يعني أن المشاهدين على موعد مع حلقات أكثر توتراً كلما اقترب العمل من منتصفه.
ومن المنتظر أن تبلغ الأحداث ذروتها مع انكشاف هوية المتورطين في الاختلاسات، وربما وقوع حدث مفصلي – كخسارة صفقة كبرى أو فضيحة مالية – يعيد رسم ملامح الصراع داخل السوق والعائلة معاً.
ويفتح حضور المرأة في قلب الحدث أفقاً آخر للنقاش الدرامي، إذ قد تتحول "منة" إلى رمز لتحول أوسع في بنية المجتمع المحلي، حيث لم تعد إدارة المال حكراً على الرجال. وإذا ما نجحت الشخصية في فرض نفسها، فإن ذلك قد ينعكس على علاقاتها العاطفية والاجتماعية، ويدفع بعض الشخصيات إلى إعادة النظر في مواقفها المسبقة.
ولا يكتفي "سوق أتاي" بسرد قصة تنافس تجاري، بل يتجه في حلقاته المقبلة نحو تفكيك بنية السلطة داخل العائلة والسوق معاً، وطرح سؤال الاستمرارية: من يرث النفوذ حين يتراجع الجيل المؤسس؟ وهل يمكن الحفاظ على التوازن بين روابط الدم ومنطق الربح؟
وسيكون رهان العمل في الحلقات القادمة الحفاظ على جرعة التشويق، وتجنب الوقوع في نمطية الصراع العائلي المتكرر، عبر مفاجآت مدروسة وتطورات غير متوقعة. وإذا ما واصل المسلسل البناء التصاعدي نفسه، فإنه مرشح ليصبح أحد أبرز الأعمال الرمضانية التي أعادت الاعتبار للدراما الحسانية، وفتحت أمامها آفاقاً جديدة على مستوى الكتابة والإخراج والحضور الجماهيري.