سياسة الاقصاء تُعيد عدن إلى مربع الفوضى الأمنية

حوادث اغتيال تكشف عجز الحكومة اليمنية عن إدارة الملف الأمني في عدن بعد التوترات مع المجلس الانتقالي الجنوبي.

الرياض/عدن - تعهّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، بملاحقة الخلايا الإرهابية في عدن وتقديم المتورطين في جرائم الاغتيالات إلى العدالة لينالوا جزاءهم الرادع، مؤكداً أن هذه الجرائم "لن تسقط بالتقادم". وجاء هذا الموقف خلال لقائه في الرياض بقيادات السلطة القضائية، عقب اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح (الجناح السياسي لإخوان اليمن) ورجل الأعمال عبدالرحمن الشاعر في مديرية المنصورة، وهي الجريمة التي وصفها العليمي بالعمل الإرهابي الغادر.

وبالتوازي مع هذا الموقف الرسمي، أعلنت الأجهزة الأمنية في عدن عن ضبط خلية إرهابية كانت تخطط لتنفيذ سلسلة اغتيالات، في محاولة لاحتواء موجة تصعيد أمني تعكس، بحسب مراقبين، عمق الأزمة التي تعيشها المدينة، حيث لم تعد الحوادث المعزولة سوى مؤشرات على نمط متكرر من الاستهداف الممنهج.

وتشير التطورات الميدانية إلى أن عدن باتت تعيش منعطفاً أمنياً بالغ الحساسية، يتجاوز البعد الجنائي ليعكس تشظياً سياسياً ممتداً بين مكونات السلطة، فالعلاقة بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، التي تقوم على شراكة مضطربة وتنافس ميداني، أفرزت تعددًا في مراكز القرار الأمني، وخلقت فراغات استغلتها "خلايا الظل" لإعادة إنتاج الاغتيالات داخل المدينة.

وتكشف المقارنة للوضع الأمني أن القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، لا سيما 'الحزام الأمني' و'الدعم والإسناد'، حققت في فترات سابقة نجاحات بارزة في مواجهة تنظيمات مثل القاعدة وداعش، عبر عمليات ميدانية مركزة أسهمت في تحسين الوضع الأمني نسبيًا.

غير أن هذا التقدم بدأ يتآكل مع تصاعد الخلافات السياسية وتعثر جهود دمج القوات تحت قيادة موحدة لوزارتي الدفاع والداخلية ومحاولات اقصاء المكون السياسي والعسكري الجنوبي من القرار والميدان، ما أدى إلى تراجع التنسيق الاستخباراتي وظهور "مربعات أمنية" غير منضبطة.

وتظهر هذه التطورات أن مجلس القيادة الرئاسي يواجه تحدياً جوهرياً في تحويل تعهداته إلى واقع ملموس، إذ أن استمرار عمليات الاغتيال، رغم الإعلان عن ضبط بعض الخلايا، يعكس وجود فجوة بين الخطاب السياسي والقدرة التنفيذية على الأرض.

وتزداد خطورة المشهد مع استمرار التوظيف السياسي للملف الأمني، في ظل غياب منظومة موحدة لإدارة الأمن، الأمر الذي يجعل من عدن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، سواء بين الفاعلين المحليين أو عبر أدوات غير مباشرة تستفيد من هذا الانقسام.

وعلى الرغم من الجهود المعلنة لملاحقة المتورطين، فإن استمرار الاغتيالات في مناطق حيوية داخل المدينة يشير إلى أن الخطر لا يزال قائماً، وأن التنظيمات أو الجهات المستفيدة من الفوضى تمتلك قدرة على إعادة التموضع في ظل الانقسام القائم.

ويكشف المشهد في عدن أن الأزمة الأمنية ليست مجرد خلل تقني أو نقص في الموارد، بل هي انعكاس مباشر لأزمة سياسية أعمق تتعلق بغياب التوافق الحقيقي داخل بنية السلطة، فبدون توحيد القرار الأمني وإعادة بناء منظومة قيادة مشتركة تستند إلى خبرات ميدانية أثبتت فعاليتها سابقاً، ستظل المدينة عرضة لموجات متكررة من الاغتيالات والفوضى الأمنية وسيبقى الاستقرار هدفاً مؤجلاً لا يتحقق إلا بإرادة سياسية تتجاوز منطق الاقصاء الذي تتهم الشرعية اليمنية بممارسته ضد المجلس الانتقالي الجنوبي.