شادية الأتاسي تراقص الوجع في "تانغو الغرام"

لم أكن يوما شاعرة، ولا أعرف كيف يندلق هذا السحر، كل ما هناك أن الومضات  الشعرية الفاتنة تداهمني.
الكاتبة السورية: كانت الكتب، هي الأشد حضوراً في حياتي، وقعت في غوايتها الجميلة
الرواية هي كالوقوع في الحب تماما، حالة رائعة، نوع من الغرام لا تحايل فيه

بيروت ـ شادية الأتاسي، كاتبة وصحفية سورية، صدر لها مجموعة نثرية ونصوص أدبية وقصصية  تحت عنوان "أنا التي لم أعد هناك" عن دار يافا للنشر والتوزيع في الأردن 2019. وقد أقيم حفل توقيع لها في باريس وجنيف، ونالت شهادة تكريم من اتحاد الكتاب الأردني لمساهمتها في نشر الثقافة العربية.
وفي العام ٢٠٢٠ صدرت  لها رواية "تانغو الغرام" عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت في 240 صفحة.  
كتبت وتكتب المقالة والنثر والقصة في الكثير من الصحف والمواقع العربية المهمة، القدس العربي، الضفة الثالثة، العربي الجديد، الصفحة الأخيرة من مجلة الصوت التي تصدر في استانبول، وصحيفة الناس نيوز. 
تقول: كانت الكتب، هي الأشد حضوراً في حياتي، وقعت في غوايتها الجميلة. في وقت مبكر، قرأت بنهم كل ما وصلت إليه يدي، كان لوجود مكتبة كبيرة في بيت العائلة، أثر كبير في نمو مداركي، والبدء في إرساء قاعدة فكرية وأدبية. وطرح كثير من الأسئلة عن مشاكل الوجود.  
قرأت أندريه جيد وزفايج وروسو، عشقت الأدب الروسي دوستويفسكي وتولستوي وكبرت مع  روايات نجيب محفوظ وحنا مينا وكثير غيرهم. 
وتضيف: في مجموعتي  النثرية الأولى, كتبت عن بلدي سوريا، عن الإنسان، عن الحرب، عن الظلم والقهر، عن ذاكرتنا التي ثقبها الإحباط والهزيمة، عن الانقسام والتردي في تيه الفكر، عن الموت المجاني: 
الموت في بلدي لا يشبه الموت في بلد آخر
يخلع كفنه فجأة، ويرتدي ثوب البلد، انكسار البلد، هوانه وتمزقه، بؤسه وغضبه، شروخه وانقساماته 
كتبتُ عن دمشق:
يا شام يا بهية 
راوديني كثيرا وأحبيني أكثر 
أغلقي أبوابك سكري أقواسك
لا تدعيني عنك أرحل
أحبك أنت…
أريدك أنت… 
بيتي حكايتي جذوري 
حبي …
هناك … 
فكيف عنك أرحل 
كتبت عن معادلة التضاد بين الهزيمة والإحباط وبين الأمل: 
سأحاول أن أحزن قليلا
سأقف كرمح في وجه الريح الغريبة
سأعبر بركان النار، وأخوض في مجرى النهر
أعصي المصب
وأمضي  حيث أشاء 
كتبت عن الحب، ففي الحرب، ينتعش الحب، لاينوس ولا ينطفىء: 
اشتاقت لك الكلمات 
ما ذنبي…
في كل حرف منها نصبت لي فخا
وبين كل إشارة تعجب واستفهام 
زرعت لي حقول ألغام
لا تغضب كثيرا 
إن لم أتقن لعبة الإختفاء
ولا تتهمني كثيرا
فأنا بريئة من تهمة الإشتياق

novel
التواطؤ مع ذاكرة الرجل 

وتوضح: لم أكن يوما شاعرة، ولا أعرف كيف يندلق هذا السحر، كل ما هناك أن الومضات  الشعرية الفاتنة تداهمني، النصوص الساحرة تطاردني، انحاز إليها طواعية، أنضوي تحت سطوتها الآسرة، فألهث ربما وراء عوسجة برية تنبثق من جانب حجر، وقد أحلم بشق أخضر يفتح له مكانا في جدار.
تقول: صحيح، أنني أغرمت بالشعر وكتبته، لكنني كنت أشعر دائما، أن مكاني الصحيح، هو في الرواية، في زخم الحروف التي تفيض بسخاء الكلام، وكرم التفاصيل، أنبشها وأعريها من أسرارها، أمنح الحياة لشخوصها، أتلمَّس صلابة أو رخاوة الأرض التي يقفون عليها، حارّة ملتبسة، مخاتلة، فاعلة ومنفعلة في جمالها وضعفها، نفاقها وشرِّها وشهواتها، خامدة تنتظر من يشعلها لتنتهي من حالة السكون إلى حالة الحركة.
الرواية هي كالوقوع في الحب تماما، حالة رائعة، نوع من الغرام لا تحايل فيه، لطالما استفزني عناد مؤرق، للتوغل في تلك المنطقة الغامضة، التي تقع ما بين محادثة الذات، والحوار العميق المفتوح مع الآخر، والإجابة عن ذاك السؤال الوجودي من أنا؟ ومن أنت؟ فطبيعة الدماغ في حالة توق فطري دائب إلى الإثارة. هذا الغليان الفكري المحموم، هذا القلق الوجودي المبرح، هذه اللذة في اكتشاف المجهول، تجعلني أنتحي بشغف، زاوية أو ركناً أو حتى وسط الضجيج والفوضى، أقرأ وأكتب ولا أتوقف.
وكان أن كتبت كثيرا، ومزقت أكثر، الأمر كان منهكاً ومتعباً إلى حد بعيد. أبدأ أحياناً من قلب الرواية، حيث زخم الخبايا والأسرار والأحداث، أراه أسهل ربما، وأحيانًا من النهاية. تشرق الفكرة في رأسي، ثم سرعان ما تبدو لي معقدة ملبدة بالغيوم، ألملم أفكاري وكتبي  وأنزوي لأيام، مثقلة بالإحباط والضجر والخيبة. 
إلى أن تمخض الوقت عن رواية "تانغو الغرام". 
تانغو الغرام رواية سورية بامتياز، رواية الحرب والحب والفقد والغربة، كتبت بروح وإشراقة سورية، بطلها الحدث السوري الدامي.
تتكىء الرواية على الفانتازيا، ويتداخل الواقع بالخيال، ويتحمل السرد وقوة الإحساس، والحدث الدرامي، نقل هذا الجو المشحون إلى القارىء.
رواية تتورط بالدخول في عمق المعمعة السورية التي تمثل مأساة شعب بكامله، وتأثيرها على الحياة من خلال أشخاص الرواية، تسرد كامرأة عادية تحب وتُحب، بدأت بابتداع حياة موازية، عاشت قصة حب معقدة مع روائي، تراءى لها أنه خرج من روايته، في إحدى الليالي الباردة. يتداخل الحلم مع الحقيقة، تصف هذا الحب العجيب: 
كنت أبتعد عن مسار حياتي المعتاد، مطوقة بالكثير من المجاز الملتبس، أضع قدمي في طريق ممسوس بالغموض، أزداد توغلاً به، أردت وأحببت هذا التوغل، لم أحاول منعه أو الوقوف في وجهه، ولا إلى أين يمكن أن يقود، حياتي الحقيقية كانت معه فقط. 
تروي كيف تخرب الحرب حتى إحساسها وعواطفها وكيف تنهار علاقتها بزوجها أب ابنتها.
تقول: في الحرب لم تعد أنت، تفاجىء بأشياء كنت تحسبها ثابتة، يدهشك أن تدرك أنها تتغير، وكم هي الآنا داخلك هشة، سهل اقتلاعها، أمام هجوم عاصف لتحولات كبرى، فرضت نفسها بقوة. الحرب وضعتنا أمام ذواتنا، قالت لنا بجلاء:
هذا أنتم، تعرفوا على أنتم …
لكن الروائي، الذي استجاب للحب، كان مرتبكا أمام الوجود القوي للمرأة الافتراضية التي اقتحمت حياته. تصف الراوية، ضعفه وحيرته أمام طغيان هذا  الحب:  
هل أيقظت فيه هذه المرأة، الحلم الرومانسي القديم، التواطؤ مع ذاكرة الرجل الذي كانه يوماً؟ الحلم بضرام حب معقد، هل هو شغف الروائي الذي يعشق أن يلعب، لعبة المرأة الحلم، المرأة الملهمة؟ امرأة  تمشي الهوينى، على العشب الأخضر، حافية القدمين، تضفر من الصباحات حقلاً من الأزهار، فتلهمه الرواية العصية.