شبح الاقتتال الطائفي يلاحق مقترحا أميركيا لإعادة القوات السورية للبنان
دمشق – أفادت خمسة مصادر مطلعة بأن الولايات المتحدة حثت سوريا على دراسة إرسال قوات عسكرية إلى شرق لبنان للمساهمة في نزع سلاح حزب الله. ورغم إغراءات العرض، أدبت دمشق تريثاً ملموساً حيال الانخراط في مهمة كهذه، خشية الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة وتأجيج صراعات طائفية عابرة للحدود.
ويعكس هذا المقترح، المقدم للحكومة السورية التي تشهد علاقاتها مع واشنطن تحولاً لافتاً، تصاعد المساعي الدولية لتقويض النفوذ العسكري لحزب الله المدعوم من إيران، خاصة بعد المناوشات التي اندلعت في الثاني من مارس/آذار الماضي دعماً لطهران، وما أعقبها من هجوم إسرائيلي مكثف على لبنان.
ووفقاً لمسؤولين سوريين ومصادر مطلعة، فإن هذه الفكرة ليست وليدة اللحظة، بل جرى تداولها خلف الكواليس بين مسؤولين أميركيين وسوريين منذ العام الماضي، وسط تكتم شديد نظراً لحساسية التوازنات الميدانية.
بين "الخطوط الحمراء" و"المهام المستحيلة"
ويعيد هذا العرض للأذهان "اتفاق الخطوط الحمراء" في السبعينيات، لكن مع تباين جوهري في الأهداف؛ فبينما كان الدور السوري سابقاً يقتصر على "إدارة الصراع" ومنع الانفجار الكبير، تطالب واشنطن اليوم بـ إنهاء النزاع" جذرياً عبر تفكيك البنية العسكرية للحزب، وهي المهمة التي تُصنف كواحدة من أعقد التحديات الأمنية في تاريخ المنطقة.
ويبدو أن واشنطن تلوح بـ"جزرة الاعتراف الدولي" وتثبيت شرعية النظام السوري كحافز أساسي، مما يؤشر على تحول جذري في الاستراتيجية الأميركية من "تغيير النظام" إلى "توظيفه" كلاعب محوري في هندسة الأمن الإقليمي.
ورغم احتمالية إنهاء عزلتها الدولية، تتوجس دمشق من فخ "الاقتتال الأخوي"؛ فالجيش السوري وحزب الله خاضا معارك مشتركة لسنوات طويلة، وأي مواجهة مباشرة بينهما قد تؤدي إلى تصدعات خطيرة داخل بنية القوات المسلحة السورية نفسها، علاوة على رد الفعل الإيراني المتوقع الذي قد يحول الداخل السوري إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الجيش والمجموعات الموالية لطهران.
ويحذر مراقبون من أن دخول القوات السورية في مواجهة مباشرة مع فصيل شيعي رئيسي في لبنان قد يفتح "صندوق باندورا" للطائفية، مما من شأنه أن يشعل توترات مذهبية ممتدة من بيروت وصولاً إلى بغداد، وهو ما يجعل دمشق تنظر إلى "الثمن" الأميركي بعين الريبة.
وعلى الرغم من العداء التاريخي تجاه جماعة حزب الله وطهران، اللتين قاتلتا في صف بشار الأسد خلال الحرب الأهلية السورية بين عامي 2011 و2024، يتوخى الرئيس السوري أحمد الشرع الحذر منذ بدء الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط.
وقال مصدر، وهو مسؤول سوري كبير، إن دمشق وحلفاءها العرب اتفقوا على أن سوريا يجب أن تبقى خارج الحرب، وأن تتخذ إجراءات دفاعية فقط.
ونشرت دمشق وحدات صاروخية وآلاف الجنود على الحدود اللبنانية منذ أوائل فبراير/شباط، واصفة هذه الإجراءات بأنها دفاعية.
وردا على أسئلة من رويترز، قالت الرئاسة اللبنانية إنها لم تتلق أي "لا لمحة أو تنبيه من الولايات المتحدة أو الغرب أو الدول العربية أو سوريا" بشأن محادثات بين الولايات المتحدة وسوريا عن عملية محتملة عبر الحدود.
وأضافت أن الرئيس جوزيف عون أجرى اتصالا ثنائيا مع الشرع، واتصالا ثلاثيا شارك فيه أيضا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قال خلاله الشرع إن سوريا تحترم سيادة لبنان وليس لديها أي خطط للتدخل. وأفادت بأن لبنان ينسق مع سوريا بشأن الترتيبات الحدودية، لكنه لم يناقش قط موضوع حزب الله مع دمشق.
وقال الجيش اللبناني إن قنوات التنسيق مع سوريا لا تزال مفتوحة "في إطار معالجة القضايا الحدودية والتحديات الأمنية المشتركة"، بهدف منع التوتر أو الحوادث وضمان الاستقرار في المنطقة الحدودية.
وقال رئيس الوزراء نواف سلام إن الشرع أخبره بأن "تعزيز الوجود العسكري على طول الحدود السورية اللبنانية يهدف فقط إلى تعزيز مراقبة الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي السوري"، وإن الشرع شدد على أهمية استمرار التنسيق.
ويتبع عون سياسة تهدف إلى نزع سلاح حزب الله، لكن بيروت تتحرك بحذر، إذ يملك حزب الله ترسانة أسلحة قوية ويتمتع بدعم كبير بين الشيعة في لبنان.
وقال مسؤول السوري الكبير إن واشنطن منحت الضوء الأخضر لعملية في شرق لبنان لمساعدة بيروت على نزع سلاح حزب الله عندما يحين الوقت المناسب.
لكن دمشق تتوقع مخاطر تشمل احتمال هجمات صاروخية إيرانية واحتمال حدوث اضطرابات بين الأقلية الشيعية، مما يهدد الجهود الرامية إلى استقرار سوريا بعد العنف الطائفي الذي اندلع العام الماضي.
وقال دبلوماسيان غربيان إن واشنطن وافقت على فكرة شن عملية سورية عبر الحدود تستهدف حزب الله. وقال مصدر مخابراتي غربي ومسؤول أوروبي إن الولايات المتحدة طلبت من الجيش السوري أن يضطلع بدور أكثر فاعلية في مواجهة حزب الله في لبنان، عبر إجراءات منها توغل محتمل في الشرق.
وقال المصدر المخابراتي الغربي والمسؤول الأوروبي إن القيادة السورية حذرة من دخول لبنان لأن ذلك قد يؤجج التوتر الثنائي. وذكر مسؤول عسكري سوري أنه لم يتم اتخاذ قرار نهائي بعد بشأن أي عملية محتملة داخل لبنان، لكن خيار التدخل في حالة نشوب صراع بين الدولة اللبنانية وحزب الله لا يزال مطروحا.