'صور من فنون العمارة' تلاقي المشرق بالمغرب

الكتاب للباحث المغربي الزبير المهداد يستعرض التمازج الحضاري والجماليات المعمارية التقليدية بين شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا، موثقا الروابط التاريخية والوظيفية لهذا التراث الأصيل وسُبل استدامته.
سعيد المنصوري
الرباط

صدر عن معهد الشارقة للتراث كتاب "صور من فنون العمارة" (شمال إفريقيا والشرق الأوسط) من تأليف الدكتور الزبير مهداد، وسيكون ضمن أحدث إصدارات المعهد التي تشارك فيها في معرض الرباط للكتاب خلال العشرة أيام الأولى من شهر مايو/ايار 2026.

يُعدّ هذا الكتاب إضافةً قيّمة إلى المكتبة العربية في مجال توثيق التراث المعماري وتعريف القارئ بتجلياته المتنوعة عبر منطقتين جغرافيتين متباعدتين ومتصلتين في آنٍ واحد: شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا. يقدّم المؤلف الزبير مهداد عبر هذا المؤلَّف لقطاتٍ ثريةً من الإبداع المعماري الإنساني، ملقيًا الضوء على ما تجمع بين المنطقتين من تواصل حضاري وتبادلٍ عمراني عميق الجذور.

بنية الكتاب ومحاوره

يتألف الكتاب من 280 صفحة، تتوزع مباحثه على قسمين اثنين:

القسم الأول مخصّص لفنون العمارة في شبه الجزيرة العربية، ويتناول فيه المؤلف موضوعات متعددة ومتكاملة، في مقدمتها البناء الطيني في الدرعية ذلك الموروث النجدي العريق الذي يختزل تاريخ الدولة السعودية الأولى في طبقات من الطين والجص والأثل. ثم ينتقل الكتاب إلى العمارة الحربية في السعودية والإمارات، مستعرضًا الأسوار والحصون والقلاع والأبراج ودورها في حفظ أمن السكان وصون الهوية. ويُفرد المؤلف فصولاً للعمارة الكويتية وعلاقتها بالبحر، وللعمارة الطينية الإماراتية وعناصرها الزخرفية، ولأهمية "الحوش" في البيت الخليجي القديم بوصفه قلبًا اجتماعيًا ومناخيًا نابضًا. ويختتم هذا القسم بفصل مميز عن حصن الشارقة كما استحضره الشيخ الدكتور سلطان القاسمي في كتابه "سرد الذات"، وآخر عن جماليات العمارة الإماراتية في أعمال الفنان التشكيلي عبدالقادر الريس.

القسم الثاني يتناول عمارة شمال إفريقيا، فيبدأ بقصور ميزاب الجزائرية وما تنطوي عليه من فن معماري إباضي أصيل يمزج بين الوظيفة الدفاعية والروحية والاجتماعية. ثم يُرحّل القارئَ إلى الواحات المغربية حيث تتجلى العمارة الطينية في القصور المحصّنة، وإلى المخازن الجماعية المحصّنة التي تتشابه في وظائفها وتختلف في مسمياتها من ليبيا إلى تونس والجزائر والمغرب والسعودية. ويفرد الكتاب مساحةً للبناء بالحجارة الجافة في المغرب وموريتانيا، والوظائف المتعددة للقناطر، قبل أن يُطوف بالقارئ في المدارس الأثرية بفاس مستجليًا روائع الفن الزخرفي الإسلامي. أما خاتمة هذا القسم فتحمل رؤية ثرية عن مدينة الدار البيضاء وقرنٍ من تحولاتها المعمارية الباهرة.

منهج الكتاب وأسلوبه

يعتمد المؤلف منهجًا وصفيًا تحليليًا، يُطعّمه بالمقارنة والتوثيق، مستفيدًا من المصادر التاريخية وشهادات الرحالة والمؤرخين. ولا يقتصر الكتاب على وصف الشكل المعماري، بل يسعى إلى استكشاف ما يختزنه من دلالات ثقافية واجتماعية واقتصادية وبيئية، إذ يرى المؤلف أن العمارة "أكثر الوثائق التي يمكن اعتمادها في إعادة بناء تصورنا عن ماضينا".

ومن أبرز ما يميّز الكتاب أنه يُبرز أوجه التشابه والتلاقي بين العمارة الخليجية وعمارة شمال إفريقيا، سواءً في المواد كالطين والحجارة وجذوع النخل، أو في التصاميم كنظام الحوش الداخلي والأزقة الملتوية وأنظمة التهوية الطبيعية، مؤكدًا على التواصل الحضاري العميق الذي ربط المنطقتين عبر القرون.

القيمة التراثية والعلمية

يجيء الكتاب في سياق ضرورة توثيق الموروث المعماري العربي وصونه في مواجهة موجات التحديث غير المدروس. فالمؤلف لا يكتفي بالتعريف والوصف، بل يُنبّه في أكثر من موضع إلى خطر النسيان والإهمال الذي يهدد هذا الإرث، ويدعو إلى إعادة تثمين البناء الطيني والحجري التقليدي بوصفه نموذجًا للاستدامة البيئية والانسجام مع المحيط. ويُوظّف الكتاب كذلك النصوص الأدبية والفنية — كأعمال الريس ومذكرات سلطان القاسمي — بوصفها شواهد حيّة على قيمة هذا الإرث في الوجدان الإنساني.

يستهدف هذا الكتاب طيفًا واسعًا من القراء: المهندسين والمعماريين، والمهتمين بالتراث والتاريخ، والسائحين والباحثين، وكل من يبحث عن فهم أعمق لهوية المكان والإنسان في المنطقة العربية.

إلى جانب هذا الكتاب، يعرض المعهد المذكور في رواقه، مؤلفات أخرى للباحثين المغاربة: الحسن تاويشحة عن سجلماسة (بالفرنسية)، إبراهيم البوعبدلاوي عن فن العمارة في المغرب، المحجوب أطويق عن الحرف اليدوية لدى النساء الحسانيات؛ ويحيى لطف العبالي عن تدبير الماء والخطارات.

يشهد الرواق كل سنة، زيارات كثيفة، بسبب محتوى رفوفه المتنوع بين الكتب العربية والمترجمة، والدوريات الأكاديمية والثقافية والنشرات الإخبارية، وأوعية المعلومات المتنوعة الأخرى في صيغ ورقية وإلكترونية، منها ما هو موجه للباحثين المتخصصين، ومنها ما هو موجه للقراء العاديين، أو للأطفال أيضا.