طواف حول المرايا المنعكسة
بقلم: أحمد ختاوي
عندما شرفتني الشاعرة رانية شعراوي - من مدينة العلم: قستطينة - ٱن اكتب مقدمة لأول باكورة لها "انعكاسات المرايا" في طبعته الثانية بالجزائر بعدما خرجت الطبعة الاولى بمصر بدون مقدمة، غمزت أحاسيسي ومشاعري: أأطوف طوافا أو ملاحا أو مقدما للديوان أو عابرا لسلاسل الأغلال فيه، أو أفك أسر هذه الأغلال أم أسامر كل طيف أو مواجع في هذه "الديوانية" أو "الحضرة" الصوفية، أو احتسي من برزخ الديوان ما تبقى من فتات الهيام والمواجع، أم بكل بساطة أستكين مع الشاعرة وانزوى بأمكنتي وخلوتي ناسكا.
قالت "شفاه الحروف المعطرة بوجع المماشي عبر الأمصار: لا تفعل هذا لا ناسكا ولا محتارا أو مذهولا .. فأنتا نضجر ونغار .. ألا ترى أننا بنات الشاعرة".
رانية شعراوي تطل من كل الفجاج، أم تقرأنا من داخل وعمق أغوار مشاعرك .. أم احتسيتنا هواء جافا كما الضب يحتسي الريح في صحراء قاحلة، أم مررت على حواشي مواجعنا وتجلياتنا، وفي زادك سيوف الإغارة أو ثورة التأثر. ألا ترانا كما يرى الذئب تباشير الضباب لينقض على شاته التي أعماها الضباب وأحيانا الغراب والسراب فابتعدت عن القطيع في عز تباشير الفجر؟
من مدمعي سقطت آهات وزفرات، قلت على الفور: مثلكم أنا حائر، ما جئت احتسي ما تبقى من البرزخ او الاحتضار. وإنما جئت حاجا، ناسكا أعبر ممرا تلو ممر. وفي حمولتي زاد المعنى والدلالة والانحناء لكبرياء وغطرسة البوح الشفاف في تجليات الديوان.
كنت سٱقف مليا عند كل قصيدة في الباكورة من "انعكاسات المرايا" أول قصيدة في المجموعة إلى آخر نبض في المجموعة مرورا بدياركم ووجناتكم الحمراء أيتها البنات. فخفت وبي وجل أن تغرن كما غارت عائشة رضي الله عنها عندما كسرت الإناء. الغيرة عند المرٱة ليست فقط غريزة وإنما رحلة برزخ من برزخ إلى برزخ. فعدلت عن هذا الوقوف الملي وإن كان لا بد منه على الاقل لأستظل بطيف كل قصيدة أو استطعم أو أستسقي أهلها طلبا لتأثيث الإحساس والشعور بدفء اللفظ وتجنح الصورة والبوح في كل جناح أو زاوية كل قصيدة، حيث وجدت معارج القول والتحلي يغزل جدائل كل منحى ودلالة وترحم وشكوى وأحيانا "نحيبا" صوفيا على عرش التمني والغمز والشكوى.
هكذا وجدتكن تنسجن جدائلكن السنبلية أمام باحة. مدخل كل قصيدة .. قلت أجل أخاف أن تغار كل واحدة منكن من الأخرى كما عائشة رضي الله عنها. أجل بهذا الحجم، فتكسرن أعمدة الخيم المنصوبة في ذات الشاعرة المتألقة: فـ رانية شعراوي، وأنتن تسكنن دواخلها ودواخل لحظاتها الحسية الشعرية والشعورية. أجل أيتها البنات العذراوات .. أجل هكذا كانت كل قصيدة في الديوان ترتشف حمولتها ببهاء وتصوف وانحناء لمغزى الصورة في كل بوح ومعراج .
هكذا أيتها البنات في صيغة العاقل .. عند النحاة والنحويين وٱطاييب أهل الأحاسيس. أنتن بهذه الصفة الملائكية المتجنحة أيتها البنات (القصيدات) تعبرن ثكالى أحيانا. مبسوطات أحيانا .. حزينات أحيانا .. تشتكين للمدى ضيم الرجل وتودده أحيانا .. وجبروته أحايين أخرى.لا أمم متحدة عندكم ولا جامعة عربية ولا هيئات أخرى، ما عدا هيئتكم (الشعورية) الصادقة المنبعتة من تجليات ومواجع كل واحدة فيكن:
أيتها البنات الشقيقات .. القصيدات .. المتتاليات. ليس كما في الرياضيات الجافة وإنما على صهوة ندى الفجر والعشق والعذاب ..
عذاب العشق وأرقه .. هكذا أنتن لمستكن عندما مررت قارئا مذهلا، معجبا بصنوف وشهية الفاكهة في كل قصيدة ومسار. وفي المجموعة التي قرأتها من قطبها الشمالي إلى قطبها الجنوني بجغرافية الأحاسيس والبوح الصادق .. لا ببوصلة أو مقاس الانثربولوجيين ومقاساتها الجافة .
وأنا أعبر أمصار المجموعة "انعكاسات المرايا" من أول لحظة شعورية حسية إلى آخر رمق حسي، ليس محتضرا، وإنما متجددا، مجددا لصنوف وفاكهة البوح. فاجتليت آن الشاعرة رانية شعراوي تتوفر على مؤهلات مذهلبة. وتتحكم أيما تحكم في ناصية الدلالة، لا تدعها تفلت من قبضتها إلا إذا طوقتها جماليا وفنيا وبـ (استطيقيا) المبنى وصدق المنحنى الدلالي أيضا .
في ترانيمها أيضا "شهوة" الغضب لكنه غضب ٱنثوي مشروع . كما غضب عائشة رضي الله عنها، أو تساؤل مريم العذراء المشروع وهي تنتدب مكانا قصيا .
هكذا بنات الشاعرة الرقيقة المتٱلقة رانية شعراوي وهي تغازل لحظاتها ومواجعها وآهاتها وزفراتها ومٱمولها بحس فني جمالي مبهر، أخاذ وآسر. لم تعر أدنى رعاية للقافية ولا للروي ولا للتفعيلة. لأن هذه (المكونات) التقنية، وإن كانت جديرة بالتموسق، لكنها فضلت ٱن تغزل جدائل وضفائر بناتها القصيدات .. الشقيقات ..المتاليات، كما ٱوصى بها الشاعر الكبير الراحل محمد الماغوط، فآثرت بوعي تبني الجرس الموسيقي في كل قصائدها. ليس اعتباطا أو بشكل عشوائي. وإنما بوعي تام حفاظا على المبنى أولا ثم التحرر من قيود هذا القيد وهذه الأغلال، فاعطت لعالمها الشعري ذاك المدى الإبداعي الآسر.
هكذا عبرت رانية شعراوي ممراتها الإبداعية بهذا المعمار الهندسي لا لتلمع واجهتها الشعرية وإنما هي انعكاسات حقيقية لأغوار مشاعرها ..فجاءت أول باكورة لها تحمل هذا العنوان العاكس لعوالمها المتفردة "انعكاسات المرايا".
إذا كانت هذه الانعكاسات قد أدت وظيفتها المعمارية، فإنها أيضا ترجمت بصدق معاني الإكبار وغطرسة الحرف والدلالة عند الشاعرة .
أمام هذا المد الكوني الإبداعي المميز لها عدلت، كما أسلفت عن الوقوف مليا عند كل قصيدة، لكنني ها هنا امسحهن - إعحابا - واحدة بعد الإخرى وقد قرأتهن جميعهن، وأضع سطرا أو بندا عريضا على نون النسوة وللعاقل دون الجماد قناعة مني أن كل قصيدة في هذه المجموعة نبض شعوري، وإن كان حادا .. ولم يكن جفافا أو قحطا بصحراء قاحلة جرداء .
لهذا عدلت عن ذلك خشية من أن تغار كل قصيدة من أختها، فاكتفيت بمقاسمتهن نسح ضفاىرهن، واحتساء اللامتناهي في برزخ الشاعرة رانية شعراوي التي لمست فيها مشروع شاعرة واعدة وأكيد كما تموقعت نازك الملائكة، غادة السمان، فدوى طوقان وغيرهن ستتموقع لا محالة الشاعرة رانية شعراوي التي اتمنى لها وافر السؤدد في مسارها الإبداعي هذا المتجدد وليس الجاف .