ظافر العابدين يحصد لقب أفضل مخرج في مانشستر

التتويج الجديد يفتح آفاقا أوسع لممثل نجح في تحويل تجربته الطويلة إلى مشروع إخراجي متكامل يلامس الجمهور عالميا.

مانشستر (انكلترا) ـ حقق فيلم "صوفيا" للمخرج والممثل التونسي ظافر العابدين إنجازا سينمائيا جديدا بفوزه بجائزة أفضل مخرج في مهرجان مانشستر السينمائي الدولي، ليؤكد بذلك مكانته المتنامية كأحد أبرز الأسماء العربية التي نجحت في الجمع بين التمثيل والإخراج وصناعة صورة سينمائية ذات بعد إنساني عالمي.

ويعكس هذا التتويج مسارا فنيا متدرجا وثابت الخطى، بدأه العابدين منذ سنوات طويلة كممثل قبل أن يتحوّل تدريجيا إلى مخرج صاحب رؤية.

وقد حظي "صوفيا" باستقبال لافت من جمهور المهرجان ونقاده، حيث أثنى كثيرون على قدرة الفيلم على المزج بين التشويق الدرامي والطرح الإنساني العميق، وهو ما جعله يحصد جائزة أفضل مخرج في واحدة من أهم التظاهرات السينمائية الداعمة للسينما المستقلة في بريطانيا.

ويأتي هذا التتويج بعد عرض الفيلم عالميا لأول مرة في مهرجان مراكش السينمائي، ثم مشاركته في مهرجان سانتا باربرا السينمائي الدولي، حيث واصل جذب الاهتمام والتقدير.

تدور أحداث الفيلم حول "إميلي"، امرأة بريطانية تسافر من لندن إلى تونس في محاولة لإنقاذ العلاقة المتصدعة بين ابنتها "صوفيا" وزوجها، غير أن الرحلة تتحول إلى كابوس بعد اختفاء الإبنة بشكل مفاجئ.

ومن هنا تنطلق حبكة مشوقة تقود البطلة إلى عالم مليء بالأسرار والأكاذيب، في سباق محموم مع الزمن لكشف الحقيقة. ويتجاوز هذا البناء الدرامي جانب الإثارة ليغوص في أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والانتماء والأسرة والذاكرة.

ويُعد "صوفيا" إنتاجا تونسيا بريطانيا مشتركا، ويضم طاقما دوليا من الممثلين، من بينهم جيسيكا براون فيندلي، جوناثان هايد، قيس السبتي، هبة عبوك، وزياد عيادي، إلى جانب ظافر العابدين الذي تولى مهمة التأليف والإخراج والإنتاج والبطولة.

ويعكس هذا التعدد في الأدوار طموح العابدين في التحكم الكامل في أدواته الفنية، وتقديم عمل متكامل يعبر عن رؤيته الخاصة.

وفي تعليق له على هذا الإنجاز، عبّر ظافر العابدين عن فخره الكبير بالجائزة، معتبرًا أنها ثمرة عمل جماعي وتعب سنوات، ومؤكدًا أن مهرجان مانشستر يُعد من أبرز المنصات التي تحتفي بالمواهب السينمائية الصاعدة.

وقد نشر مقطع فيديو يوثق لحظة تتويجه وصعوده إلى المسرح، في مشهد عكس حجم التقدير الذي يحظى به.

ويمثل "صوفيا" ثالث تجربة إخراجية للعابدين بعد فيلمي "غدوة" (2021) و"إلى ابني" (2023)، اللذين حققا بدورهما نجاحات مهمة في مهرجانات دولية.

وقد نال "غدوة" جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما (فيبريسي) في مهرجان القاهرة، بينما فاز "إلى ابني" بجائزة في مهرجان هوليوود للفيلم العربي، ما يعكس مسارا تصاعديا في تجربته كمخرج.

لكن اللافت في تجربة ظافر العابدين هو انتقاله المدروس من التمثيل إلى الإخراج، فقد بدأ مسيرته الفنية في المملكة المتحدة، حيث شارك في أعمال عالمية مثل مسلسل "سبوكس" وفيلم "تشيلدرن أوف مان"، قبل أن يحقق شهرة واسعة في العالم العربي من خلال الدراما، خاصة في مسلسل "عروس بيروت". هذه التجربة المزدوجة بين الغرب والعالم العربي منحت العابدين قدرة خاصة على فهم الجمهورين، وصياغة أعمال ذات طابع إنساني مشترك.

ويؤكد العابدين أن شغفه بالإخراج هو امتداد لتجربة طويلة بدأت منذ عمله كمساعد مخرج مع المخرج التونسي منصف ذويب. هذا التكوين المبكر أتاح له فهم تفاصيل الصناعة السينمائية من الداخل، وهو ما ينعكس اليوم في أعماله التي تتسم بحرفية عالية واهتمام دقيق بالصورة والسرد.

في "صوفيا"، يواصل العابدين الاشتغال على الثيمة الاجتماعية التي تميز أعماله، لكنه يضيف إليها بعدًا تشويقيا جديدا. فالفيلم لا يكتفي بسرد قصة اختفاء، بل يحوّل الغياب إلى بطل حقيقي للعمل: غياب الأب، غياب الاستقرار، وغياب الحقيقة. هذا التراكم من الغيابات يتحول إلى استعارة قوية عن واقع معاصر تعيشه العديد من العائلات في ظل الهجرة القسرية والتشتت الجغرافي.

كما يطرح الفيلم أسئلة عميقة حول الهوية والانتماء، خاصة في ظل إنتاجه المشترك بين تونس وبريطانيا، فالشخصيات تتحرك بين عالمين، وتحمل داخلها تناقضات ثقافية ونفسية تعكس واقعًا معيشًا.

وقد أشار العابدين إلى أن فكرة الفيلم راودته منذ أكثر من 12 عامًا، قبل أن تتبلور في شكلها الحالي بعد أن اكتسب الخبرة والنضج الكافيين لتنفيذها.

ومن الناحية البصرية، تلعب تونس دورا محوريا في الفيلم، حيث تتحوّل إلى أكثر من مجرد موقع تصوير، فالمدينة العتيقة وسيدي بوسعيد والبحر والأزقة تشكل خلفية نابضة بالحياة، تحمل في طياتها مفارقة بين جمال المكان وهشاشة الإنسان. هذا التوظيف الذكي للفضاء يعزّز من قوة السرد ويمنح الفيلم بعدًا جماليًا مميزًا.

ولا يمكن إغفال أن تجربة ظافر العابدين الشخصية، بين تونس وبريطانيا، ألهمت جزءا من هذا العمل، رغم تأكيده أن الفيلم ليس سيرة ذاتية، بل هو تقاطع لقصص وتجارب إنسانية متعددة. هذا التوازن بين الذاتي والموضوعي يمنح "صوفيا" صدقا خاصا يجعله قريبًا من الجمهور.

ويؤكد فوز "صوفيا" في مهرجان مانشستر أن ظافر العابدين لم يعد مجرد ممثل ناجح، بل أصبح مخرجا صاحب مشروع فني واضح، يسعى من خلاله إلى تقديم سينما إنسانية عابرة للحدود. ومع استمرار هذا المسار، يبدو أن العابدين في طريقه لترسيخ إسمه كأحد أبرز صناع السينما العربية على الساحة الدولية، جامعًا بين الخبرة والموهبة والرؤية.