عام الحصان يجمع الثقافات في قلب الشارقة
الشارقة ـ في ساحات جامعة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة تدلت الفوانيس الحمراء كنجوم منخفضة فوق رؤوس الزوار الذين توافدوا للمشاركة في احتفالية كبرى بمناسبة السنة الصينية الجديدة، التي تصادف "عام الحصان".
لم يكن المشهد مجرد فعالية جامعية عابرة، بل مساحة نابضة بالحياة تتقاطع فيها الثقافة بالتعليم، والذاكرة بالاحتفال، في صورة تعكس روح الانفتاح التي أصبحت سمة بارزة في المجتمع الإماراتي.
ومع قدوم المشاركين من طلاب من جنسيات مختلفة، بينهم صينيون، وأفراد عائلات ومقيمون، بدا المشهد وكأن مدينة صينية صغيرة انتقلت مؤقتا إلى الحرم الجامعي، لا عبر المسافات بل عبر الرمز واللون والإحساس الجماعي.
الأقمشة الحريرية الحمراء، زخارف الحصان الذهبية، والأنغام الشرقية القادمة من المسرح المفتوح، كلها رسمت لوحة ثقافية حيّة تحاكي أجواء الاحتفالات في المدن الصينية.
قبيل بدء العروض، امتزجت روائح الشاي والياسمين مع أصوات الطبول المتصاعدة، بينما كان الأطفال يركضون حول مجسم تنين عملاق يلمع تحت الأضواء. في الثقافة الصينية، يرتبط عام الحصان بمعانٍ تتجاوز التقويم؛ فهو رمز للحيوية والسرعة والطموح والاستقلال.
ويُنظر إلى المولودين في هذا العام على أنهم أشخاص يتمتعون بطاقة عالية وروح مغامِرة، وهي صفات جعلت الحصان، عبر التاريخ، رمزاً للتقدم والانطلاق.
وقال منسق الاحتفالية الدكتور جعفر منصور لوكالة الأنباء الصينية (شينخوا) إن الهدف يتجاوز الطابع الاحتفالي إلى البعد الأكاديمي والإنساني، موضحا أن الجامعة تسعى إلى خلق تجربة حيّة يعيشها الطلاب، لا مجرد معرفة نظرية، مضيفا أن رمزية الحصان تتقاطع مع قيم التعليم القائمة على المبادرة والانفتاح، وهو ما يجعل الاحتفال فرصة لتعزيز الفهم الثقافي المتبادل.
ومع انطلاق الفعاليات، قدمت فرقة طلابية صينية عرض "التنين والأسد" وسط تصفيق الحضور، تلاه عرض راقص جسد حركة الحصان في الأساطير الصينية بإيقاع سريع وخطوات منسجمة. ولم يكن الرقص مجرد أداء فني، بل سرداً بصرياً لقصة ثقافية تعود جذورها إلى قرون، حيث يُحتفى بالحيوانات الرمزية كوسيلة للتعبير عن القيم الاجتماعية والروحية.
وقالت الطالبة الصينية تشانغ يوي، إحدى المشاركات، إن الاستعدادات استمرت أسابيع، مشيرة إلى أن التدريب اليومي بعد المحاضرات كان بدافع الرغبة في نقل تجربة الاحتفال الحقيقية إلى زملائهم، مضيفة أن الوقوف على المسرح منحهم إحساساً بالانتماء، وكأنهم يعيدون وصل خيط ثقافي بين الوطن والمهجر.
توالت بعد ذلك الفقرات، من موسيقى تقليدية باستخدام آلات شرقية إلى أركان للحرف اليدوية وصناعة الفوانيس الورقية. كما اصطف الزوار لتجربة ارتداء الأزياء التراثية والتقاط الصور وكتابة أسمائهم بالحروف الصينية، وهي تجربة تفاعلية أتاحت للطلاب الاقتراب من روح اللغة والثقافة.
وقال الطالب الصيني لي شين، الذي أشرف على ركن الخط، إن التفاعل فاق توقعاته، موضحاً أن محاولة كتابة الحروف باليد تفتح باباً لفهم فلسفة اللغة لا شكلها فقط. هذه اللحظات الصغيرة، كما وصفها، هي جوهر التبادل الثقافي الحقيقي.
وجذبت طاولات تذوق الزلابية والشاي الأخضر وحلويات الأرز جمهوراً واسعاً، حيث تحولت النكهات إلى جسر إضافي بين الثقافات. وكان الطعام، كما لاحظ الحضور، وسيلة أخرى لسرد الحكاية الصينية، إذ تحمل كل وصفة دلالة رمزية مرتبطة بالرخاء والانسجام.
الطالب الإماراتي خالد المنصوري وصف التجربة بأنها رحلة ثقافية داخل الحرم الجامعي، مؤكداً أن رؤية العالم مجسداً أمامه أكثر تأثيراً من قراءته في الكتب. أما الطالب الفرنسي جاك دوبوا، فاعتبر أن الجامعة تحولت، ليوم واحد، إلى ملتقى حضارات، حيث تداخلت اللغات والابتسامات في مشهد إنساني جامع.
ضمن الفعاليات، استكشف الطلاب أسطورة الأبراج الصينية عبر عروض رقمية ثلاثية الأبعاد، تعرّفوا خلالها إلى خصائص كل برج، ومنها صفات مواليد عام الحصان. هذا الدمج بين التقنية والتراث أضفى بعداً تعليمياً حديثاً يعكس تطور أساليب عرض الثقافة.
ويأتي الاحتفال بعام الحصان ضمن مشهد أوسع من الفعاليات الثقافية التي تشهدها الإمارات سنوياً احتفاءً بالسنة الصينية الجديدة. في مدن مختلفة، تنظم مراكز ثقافية وتجارية عروضاً فنية وأسواقاً تراثية وورش عمل، في تجسيد عملي لسياسة الانفتاح الثقافي التي تتبناها الدولة. وتعكس هذه الفعاليات عمق العلاقات الإماراتية-الصينية، وتؤكد أن الثقافة أصبحت جسراً استراتيجياً للتواصل بين الشعوب.
وأوضحت الطالبة الصينية لي نا أن الاحتفال خارج وطنها يحمل شعوراً خاصاً، إذ يشعر المشاركون بأن المسافة الجغرافية تختصر عندما يتشارك الأصدقاء الإماراتيون تقاليدهم. هذا التفاعل، كما قالت، يمنح الاحتفال معنى إنسانياً يتجاوز الحدود.
وأكد منظمو الحدث أن الاحتفالية تندرج ضمن برامج التبادل الثقافي المستمرة، وتشمل ورش طهي وعروض موسيقية ومحاضرات تعريفية، بهدف تعزيز الفهم المتبادل وبناء جسور طويلة الأمد بين الطلاب من مختلف الخلفيات.
ومع ختام الفعاليات، تجمع الحضور لمشاهدة عرض ضوئي على واجهة المبنى حمل رسالة رمزية: "نفتح أبوابنا للعالم… فيدخل العالم مبتسماً". وكانت تلك اللحظة تتويجاً ليوم احتفالي جمع بين الفرح والمعرفة، وأكد أن عام الحصان - بما يحمله من رموز الحركة والطموح - وجد صداه في فضاء جامعي يحتفي بالتنوع ويجعل من الثقافة لغة مشتركة بين الجميع.