فاس تعزف ألحان الموسيقى الروحية

المهرجان يُكرم المعلمين والحرفيين من حماة التراث المغربي الذين ساهموا في صون الفن ونقله عبر الأجيال المتعاقبة.

الرباط ـ تحتضن مدينة فاس، العاصمة الروحية للمملكة المغربية، خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 7 يونيو المقبل، فعاليات الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، في حدث ثقافي كبير يعيد وضع المدينة في قلب المشهد الفني والروحي العالمي، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، بما يعكس استمرارية الدعم المؤسسي لهذا الموعد الثقافي الذي بات علامة بارزة في رزنامة المهرجانات الدولية.

وتأتي هذه الدورة تحت شعار 'فاس والمعلمين، حماة الصنعة والتراث'، في تكريم رمزي وعملي لفئة 'المعلمين' من الحرفيين والفنانين التقليديين، الذين ساهموا عبر قرون في تشكيل الهوية الثقافية لفاس وإغناء رصيدها الحضاري.

 ويهدف المهرجان إلى إبراز الدور الجوهري لهذه الفئة في حفظ المهارات التقليدية ونقلها من جيل إلى آخر، باعتبارها ركيزة أساسية في استمرارية التراث المغربي وإشعاعه عالميا.

وأكدت مؤسسة 'روح فاس' أن هذه الدورة لا تكتفي بالاحتفاء بالماضي، بل تسعى إلى إعادة قراءة التراث بروح معاصرة، من خلال ربط الحرف التقليدية بالإبداع الفني الحديث، بما يضمن استمرارية هذا الموروث الثقافي في سياق متجدد ومفتوح على المستقبل.

ومن المرتقب أن تعرف الدورة مشاركة أكثر من 160 فنانا يمثلون مختلف القارات، موزعين على أربعة فضاءات رئيسية داخل المدينة العتيقة، مع برمجة 18 حفلا موسيقيا تمتد على مدى أربعة أيام، في تجربة فنية كثيفة تجمع بين الموسيقى الروحية، واللقاءات الثقافية، والتجارب الإنسانية العابرة للحدود.

وسيفتتح المهرجان فعالياته بحفل كبير يحمل عنوان 'من السماء إلى الأرض' بباب الماكينة، في عرض ملحمي يمزج بين الشعر والموسيقى والرمزية الصوفية، ويحتفي في الآن ذاته بجمالية الصنعة التقليدية وعمقها الروحي، في مشهد فني يعكس خصوصية فاس كمدينة للذاكرة والروح.

وفي إطار تعزيز البعد الدولي، يحتفي المهرجان هذه السنة بالذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين المغرب وألمانيا، من خلال عمل فني بعنوان 'الأجساد' للفنانة كات فرانكي، بمشاركة أصوات من المغرب ولبنان والهند، إلى جانب حضور التراث الأمازيغي للأطلس الكبير، في حوار موسيقي متعدد الثقافات يعكس غنى التعبيرات النسائية عبر العالم.

كما يشهد المهرجان إطلاق جائزة 'أنفاس اليد' الموجهة إلى المواهب الشابة، في مبادرة تروم دعم الإبداع المرتبط بالحرف التقليدية، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة لإعادة ابتكار الصنعة بأساليب معاصرة، بما يضمن استمرارية هذا التراث الحي.

ويتضمن البرنامج أيضاً تنظيم منتدى فكري يسلط الضوء على العلاقة بين العلوم والفنون التقليدية، مع التركيز على الأبعاد الروحية والهندسية في الحرف المغربية، خاصة فن الزليج الذي يُعد نموذجاً فريداً لالتقاء الجمال الرياضي بالرمزية الروحية في الثقافة الإسلامية.

كما ستحتضن المدينة العتيقة معارض فنية ولقاءات فكرية داخل فضاءات تاريخية، تتيح للزوار فرصة اكتشاف التراث المغربي من زوايا جمالية وإنسانية متعددة، تجمع بين البعد البصري والذاكرة الحضارية.

وبهذا الزخم المتنوع، يؤكد مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة مكانته كجسر بين الحضارات، ومنصة للحوار بين الثقافات، وفضاء لإحياء الروح الإنسانية المشتركة، ليواصل كتابة فصول جديدة من تاريخه كأحد أبرز المواعيد الثقافية العالمية التي تجعل من فاس ملتقىً دائما للأصوات والإبداعات.