فلسفة 'الخلاعة والدلاعة' في مئوية أغاني أم كلثوم

الأغنية تعكس تحوّل 'كوكب الشرق' من الإنشاد الديني إلى الغناء الدنيوي، وتُجسّد تطور مفهوم 'الزمان' في أدبها الفنّي من الانتشاء باللحظة الحسية إلى التبصر الوجودي العميق.

تُعدّ أغنية (أو طقطوقة) "الخلاعة والدلاعة مذهبي" (1926) واحدة من أكثر الأغنيات إثارة للجدل في مسيرة أم كلثوم المبكرة. وتعكس كلماتها التي كتبها محمد يونس القاضي (1888 – 1969) ولحنها الطبيب أحمد صبري النجريدي (1900 – 1969) – تعكس مرحلة الغناء "الدنيوي" التي خاضتها أم كلثوم بعد قدومها من الريف إلى القاهرة، بزي العقال والبالطو الأزرق.

تنتمي الأغنية لنوع "الطقطوقة" التي كانت رائجة في ذلك العصر، وتتميز بمواضيع خفيفة تميل في كثير من الأحيان إلى الغزل الصريح والميوعة، وهو ما كان ملائمًا لحفلات تلك الحقبة، لكنه لم يكن ملائمًا مع تلك المُنشدة الدينية الصغيرة القادمة من الريف المصري.

يتمحور موضوع الأغنية حول التلذُّذ بالدلال (الدلاعة) والخفّة (الخلاعة) كمذهب في الحياة، (مما يذكرنا بمذهب اللذة عند فرويد، أو فلسفة اللذة عند أبيقور) مع وصف تفصيلي لبهجة اللقاء ومفاتن المحبوب الحسيَّة (قدّه، طلعته).

وقد اعتمد الشاعر يونس القاضي (مؤلف نشيد بلادي بلادي) على العامية المصرية البسيطة والقريبة من لغة الشارع والمقاهي والكازينوهات والمسارح في ذلك الوقت.

تتبع الأغنية نظام "المذهب" (اللازمة) الذي يتكرر بعد كل غصن (كوبليه). المذهب ينتهي بقافية (بي) "مذهبي / النبي"، بينما الأغصان تنوعت قوافيها مثل (ته) "مشيته / فرحته". إن استخدام جملة "كده والنبي" و"تفرح القلب يا ناس"، كترجيع لفظي، كان هدفه زيادة التفاعل مع الجمهور وبناء وحدة إيقاعية ثابتة. 

استخدم النجريدي، في الأغنية مقام الهزام (وهو من فصيلة مقام السيكاه)، المعروف بقدرته على التعبير عن الفرح الممزوج بلمحة شجن خفيفة.

وتُظهر التسجيلات القديمة لأم كلثوم في هذه الأغنية بحة صوتية وحرية في الأداء تختلف عن الوقار الذي عُرفت به سابقًا (في المدائح النبوية والتواشيح) ولاحقًا؛ حيث كان الهدف هو استقطاب جمهور واسع من روَّاد مسارح الأزبكية، ومنافسة مغنيات تلك الحقبة من أمثال منيرة المهدية وفتحية أحمد وعزيزة المصرية وفاطمة قدري وغيرهن.

ويذكر أن الأغنية أثارت ضجة كبيرة لدرجة أن المعنيين بمستقبل أم كلثوم (مثل أحمد رامي ومحمد القصبجي) نصحوها بالابتعاد عن هذا النمط الهابط والارتقاء باختياراتها، مما أدى لاحقاً إلى سحب الأغنية من التداول أو حجبها، أو على الأقل تغيير إسمها.

وتشير د. رتيبة الحفني في كتابها "أم كلثوم معجزة الغناء العربي" (ص 40) إلى أن أم كلثوم أخطأت مرة، بنزولها على رغبة الجمهور، وسجلت لإحدى شركات الأسطوانات أغنية من ألحان الدكتور صبري النجريدي، الذي كان يتميز بألحانه الخفيفة المرحة ومطلعها: "الخلاعة والدلاعة مذهبي من زمان"، ولما طرحت الأسطوانة في الأسواق، إذا محبو فن أم كلثوم يلومونها على انسياقها وراء موضة العصر من الأغاني الهابطة الخليعة".

وتؤكد الحفني أن أم كلثوم "سارعت إلى جمع أسطوانات الأغنية من الأسواق، بعد أن دفعت تعويضًا لشركة إنتاج الأسطوانة".

ويبدو أن أم كلثوم لم تكن مقتنعة بهذا الإجراء لأنها "عادت وغنت الأغنية من جديد، بعد أن أجرى أحمد رامي تعديلا على الكلمات فأصبح مطلعها: "الخفافة واللطافة مذهبي من زمان".

ومع ذلك نتوقف عند جملة غنائية رائعة قرب نهاية الأغنية؛ هي "والزمان قام انتشى من طلعته" لعلها أعمق جملة في الأغنية من الناحية الفلسفية، فهي تنقل الأغنية من مجرد غزل خفيف إلى مستوى "حلولي" يربط بين المحبوب والكون. الفلسفة هنا لا تصف الزمان كإطار جامد أو "ساعة" تمر، بل تعامله ككائن حي ذي إرادة ومشاعر. الزمان "يقوم"، و"ينتشي"، مما يعني أن حضور المحبوب يملك القدرة على تغيير طبيعة الوجود الصماء وتحويلها إلى حالة من النشوة.

في الفلسفة، هناك فرق بين الزمان (Chronos) الذي يحسب الثواني، والزمان (Kairos)  الذي يمثل اللحظة الحاسمة والممتلئة. والجملة الغنائية تنتمي إلى النوع الثاني، حيث تلغي الزمان الرتيب؛ فالمحبوب حين يظهر (طلّته)، يتوقف الزمن عن كونه مجرد مرور للساعات والدقائق أو الثواني، ويتحول إلى لحظة انتشاء. هنا يصبح الزمان كيفيًّا، أي أن قيمته تُقاس بمقدار السعادة والبهجة التي أحدثها المحبوب، لا بعدد الثواني والدقائق.

وعندما ينتشي الزمان بطلعة المحبوب، فهذا يعني أن المحبوب أصبح هو المحرِّك للوجود. الزمان الذي يطوي الجميع تحت جناحه، نراه هنا ينحني أمام جمال المحبوب ويُسكر بسببه. المحبوب هو الأصل، والزمان هو التابع الذي يتفاعل مع جماله، وينتشي بطلعته البهية.

إن الفعل الماضي "قام" يوحي باليقظة بعد غفلة، والفعل "انتشى" يوحي بالتحرر من القيود. وكأن الكون قبل ظهور المحبوب كان في حالة ركود أو نوم، وبمجرد ظهوره، استعاد الزمان حيويته. الفلسفة هنا هي أن "الحب هو مَنْ يمنح الزمن معناه"، وبدونه يظل الوقت ميتًا.

ورغم جرأة الأغنية - التي أشار إليها البعض - فأن هذه الجملة تحديدًا تحمل نَفَسًا صوفيًّا (ربما دون قصد مباشر من مؤلفها يونس القاضي)؛ حيث تتماهى الطبيعة والزمان مع "الجمال المطلق". فالجمال حين يتجلَّى، يطرب له الزمان والمكان، وهي فكرة متجذّرة في الشعر العربي الذي يرى في الجمال تجليًا إلهيًّا يرتجف له الوجود فرحًا.

لقد تبدَّل مفهوم "الزمان" في أغاني أم كلثوم – بعد ذلك - من مجرد "كائن يطرب وينتشي" في بداياتها (الخلاعة والدلاعة)، ليصبح خصمًا عنيدًا أو هبة مقدسة في مراحلها الناضجة. ففي مرحلة الستينيات – على سبيل المثال - لم يعد الزمان مجرد شاهد "ينتشي" بجمال المحبوب، بل أصبح هو العمر نفسه (أنت عمري) التي تقول فيها: "رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا.. علموني اندم على الماضي وجراحه". هنا الزمان "ضائع" قبل الحب، والحياة الحقيقية تبدأ فقط بلحظة اللقاء.

ونلاحظ الانتقال من فكرة أن الزمان "يفرح معنا" إلى أن الزمان "بدونك لا يُحسب". الحب هنا هو أداة قياس الزمن.

ومع نضج التجربة، سيظهر الزمان في أغنيات أم كلثوم كقوة جبرية لا ترحم (حاسيبك للزمن، وفات الميعاد، والأطلال على سبيل المثال)، وهو ما يسمى في الفلسفة بـ "الزمن التراكمي" الذي يمحو الآثار (الزمن هوَّ اللي يخلص لي تاري – عايزنا نرجع زي زمان / قول للزمان ارجع يا زمان - لا تقلْ شئنا فإن الحظ شاء).

الزمان صار "قطارًا" فات، والمحبوب لم يعد "محرّكًا" للزمان كما في بداياتها (الخلاعة والدلاعة)، بل أصبح ضحية له. لقد تحولت الحبيية من "الانتشاء باللحظة" في (الخلاعة والدلاعة) إلى "التسليم بالقدر الزمني".

ولعلنا نلاحظ العودة مجددًا إلى روح "الخلاعة والدلاعة"، ولكن بشكل فلسفي أعمق وأكثر وقارًا في أغنية "ألف ليلة وليلة": ''يا حبيبي .. الليل وسماه ونجومه وقمره، وسهره .. سهروا .. وإنت وأنا يا حبيبي أنا يا حياتي أنا .. كلنا، كلنا في الحب سوا''.

هنا تظهر الرغبة في إيقاف الزمن من خلال قولها: ''يا رب تفضل حلاوة سلام أول لقا في إيدينا .. ويفوت علينا الزمان يفرش أمانه علينا .. يا رب'' هي تطور لفكرة "انتشاء الزمان"؛ فبدلاً من أن يرقص الزمان، نحن نطلب منه أن يتجمَّد لنخلد اللحظة.

ومن خلال تتبعنا لمسيرة أغاني أم كلثوم، نستطيع أن نقول إن البدايات (العشرينيات) كان الزمان خادمًا وصديقًا، يشاركنا السهر والنشوة (رؤية حسيَّة). وفي الوسط (الأربعينيات والخمسينيات) كان الزمانُ فراقًا وهجرًا وذكريات (رؤية عاطفية وجدانية). وفي النهايات (الستينيات والسبعينيات) كان الزمانُ وجودًا أو عدمًا، وهو القوة التي تمنح الحب معناه أو تنهيه (رؤية وجودية).

تقول كلمات أغنية "الخلاعة والدلاعة" أو "الخفافة واللطافة":

''الخلاعة والدلاعة مذهبي

من زمان أهوى صفاها والنبي

لما يخطر حبي عندي بمشيته

تلقى قلبي له يميل من فرحته

شوف دلاله والا قدُّه وطلعته

تفرح القلب يا ناس كده والنبي

غاب وجاني .. شوفت نوره وبهجته

والفؤاد ينطرب من فرحته

والزمان قام انتشى من طلعته

تفرح القلب يا ناس

كده والنبي''