فلسفة المشروع الإصلاحي في الفكر الباديسي
في ظل الانحطاط الذي مني به العالم العربي والإسلامي وتنمر الحركة الاستعمارية وما صاحبها من استقدام لمفاهيم الحداثة والتنوير منها الرأسمالية والاشتراكية والليبرالية والعلمانية وما تبعها من تأسيس وتنظير لحداثة عربية التي كانت بمثابة عروة وثقى تمسك بها دعاة الحداثة والتنوير ظنا منهم تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وإحداث طفرة نهضوية بتقليد الغرب تقليدا كاملا دونما محاولة إيجاد مشروعا نهضويا مبنيا على فلسفة تأصيل المفاهيم وفقا للواقع العربي والإسلامي.
بحيث يبقى عامل التحرر والقومية مع المحافظة على الهوية العربية والإسلامية عماد فلسفة نهضوية قائمة بذاتها، حيث عملت فلسفة النهضة عند بن باديس في الجزائر على كبح جماح الاستغراب الفرنسي الذي حاولت السلطات الاستعمارية تكريسها من مبدأ الجزائر الفرنسية بالعمل على طمس معالم الهوية العربية والإسلامية لدى الأمة الجزائرية.
إلا أن رواد النهضة والإصلاح آنذاك المتمثل في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأقطابها يتقدمهم الشيخ عبدالحميد بن باديس، الذي أسس لفلسفة نهضوية إصلاحية تتخذ من الإنسان محورا لها بإصلاحه حتى يتمكن من حمل الأمانة وأدائها إلى الأجيال، عملا بترسيخ القيم الأخلاقية والسلامية العربية في النشا والأمانة ههنا هي استقلال الجزائر عن فرنسا الاستعمارية.
هذا الإنسان الذي تتخذه الفلسفة الإصلاحية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين محورا وموضوعا لها كان لزما عليه التمسك بمقومات الأمة الجزائرية في بعدها العربي والإسلامي يختلف تماما عن التغريب الفرنسي.
وتعدت فلسفة الإصلاح لدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للبلد إلى لم الشمل العربي والإسلامي على صعيد واحد، إذ دعت إلى ضرورة الوحدة المغاربية دون نسيان قضية الأمة العربية والإسلامية وهي تحرير فلسطين من أجل تجسيد هذه الأطاريح.
تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في العام 1931 والتي لازالت تقوم بدورها الإصلاحي المشهود له بحفظ معالم الهوية العربية والإسلامية للأمة الجزائرية في مواجهة تحديات العصر وقد لاقت هذه الفلسفة الإصلاحية
النهضوية إقبالا من طرف الشعب الجزائري، إذ شكلت الحداثة والنهضة فلسفة تأصيل المفاهيم المستحثة من الفكر الغربي وإعادة صياغتها وما يتوافق والقيم التي تحكم الشعب الجزائري درءا لفكرة الجزائر فرنسية التي حاول المستعمر آنذاك ترسيخها بقوة الحديد والنار لكنه لم يفلح.
ومن أجل بلورة الفلسفة الإصلاحية وتعزيز النهضة الفكرية عملت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على إصدار جرائد بمثابة ناطق رسمي إعلامي إصلاحي على لسان حالها منها الشهاب الصراط.
إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أسست لخدمة الشعب الجزائري من الناحتين العقلية والقلبية فهي تريد خدمة المجتمع بالعلوم والمعارف المنورة للعقل المزيلة لظلمات الجهل تريد إصلاح المجتمع ببث التعاليم الإسلامية الصحيحة وتلقين الآداب المحمدية. 1
وعليه استطاع الشيخ عبدالحميد بن باديس بعمله النهضوي الإصلاحي إيجاد فلسفة إصلاح الإنسان ذاته قبل إصلاح النظم والسياسات باعتبار الإنسان هو المحور والمحرك الطبيعي لأي مشروع نهضة، فركز على إصلاح الشباب وأولاه عناية بالغة الأهمية.
وهب ابن باديس نفسه خدمة للشباب ودفعه إلى طريق القومية العربية فوجهه وعلمه وحماه من الانحرافات التي فتح الاستعمار أبوابها أمامه بما يباعد بينه وبين لغته ودينه ومجده. 2
كما ركزت فلسفة الشيح عبدالحميد بن باديس على استقلال الجزائر، إذ هو ضرورة حتمية لا بد منها لاستكمال المشروع الإصلاحي وتحقيقه واقعا ملموسا تستنتج هذه الحتمية والرغبة في استقلال الجزائر فيما يلي:
إن استقلال الجزائر سنة من سنن الكون لا نزاع فيها وغير ممكن أن تبقى الجزائر أبدا مشدودة للهيمنة الاستعمارية لا بد أن تتحرر الجزائر والاستقلال آت. 3
كما عبرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن رفضها لمحاولات دمج الأمة الجزائرية في الأمة الفرنسية من خلال معارضة دستور 1947 من خلال تصريح مفاده … إن دستور 1947 هو دستور ناقص من جميع النواحي لم يحقق رغبة من الرغائب الوطنية للجزائر وآفاته أنه فرض عليها فرضا. 4
يدعو الشيخ عبدالحميد بن باديس من خلال مشروعه الإصلاحي النهضوي إلى جعل الدين الإسلامي مصدرا لأي إصلاح أخلاقي ثقافي اجتماعي فكري من أجل بعث عملية إصلاحية واقعية، لذا على الأمة الجزائرية اتباع المنهج الباديسي الإصلاحي النهضوي في ميدان إصلاح منظومة التربية والتعليم، ذلك أن المنهج الباديسي اهتم بفقه الإنسان والنظرة الاستشرافية للواقع والحياة بجميع مناحيها وحماية الفرد من أي انحراف عقائدي أو اختراق فكري.
إن نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الإصلاحي والنهضوي لم يكن تنظيريا فحسب، وإنما يتعمق في الحياة اليومية للمجتمع يشخص الداء ويصف الدواء ولم يكتس طابعا استثنائيا.
إن أغلب رواد الحركة النهضوية كما تجلت مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والمتأثرين بها فيما بعد كانت تتولى المهمة الأساسية لها داخل المجتمع مثل التعليم والإرشاد والتظاهرات الثقافية. 5
وهذا ما مكن لفلسفة الإصلاح في الجزائر عدم بقاءها حبيسة لمقارعة الزمن والمكان، بل ولجت عقل الإنسان وواقعه اليومي وإصلاحه عقلا ودينا وحمايته من التيارات التغربية الحداثية والتنويرية التي لطالما طمست نورا بصبغتها التفكيكية والمادية وضمان تمسكه بمقومات الشخصية العربية والإسلامية إلى ضرورة التحرر من قيود الهيمنة الاستعمارية وتأصيل مفاهيم الحداثة وفقا للمبادئ التي تحكم الشعب الجزائري، وفي ذلك رفض بين لتقليد الغرب ولبس ثوبه الحداثي التفكيكي التنويري الذي يحاول طمس نور الحضارة والإنسان العربي المسلم.
ومحمد عدنان الأخضر بن مير دكتور في الفلسفة والعلوم الدينية وهو كاتب وباحث مجاز في الحقوق مهتم بالفلسفة والفكر وحوار الثقافات والحضارات، وهو رئيس شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بلدية عين البيضاء ولاية ورقلة، كما أنه عضو بمؤسسة بيلر الدولية للتحكيم الولي والبحوث العلمية وعضو مركز الإصباح للتعليم والدراسات والبحوث الاستراتجية وعضو الزمالة البحثية لدى مركز الإصباح للتعليم والدراسات والبحوث الاستراتيجية وعضو منظمة السلام والثقافة الدولية.
ومن أبحاثه العلمية مشروع تعديل الدستور الجزائري 2020 (نقد واقتراح) بحث منشور في مجلة محكمة جامعة المسيلة، مقالات حول حوار الثقافات والحضارات (البصائر – المجلة الجزائرية للعلوم السياسية) ومقالات في الفلسفة والفكر (جريدة الأهرام المصرية – جريدة أخبار اليوم – جريدة الصباح).
المـــــــــــــراجــــــــــع
1 / مجلة الشهاب الجزء الخامس المجلد العاشر16/04/1934
2 / الأستاذ محمد الحسن فضلاء شذرات من مواقف الإمام عبدالحميد ابن باديس دار هومه للطباعة والنشر والتوزيع الجزائر 2010 ص 94
3 / الأستاذ محمد الحسن فضلاء المرجع نفسه
4 / أثار الشيخ البشير الإبراهيمي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1982 ص 49
5 / علي مراد الحركة الإصلاحية في الجزائر بحث في تاريخ الديني الاجتماعي ص 305