في يومه العالمي.. دعوات لاستعادة بريق المسرح الأردني

أصوات ثقافية تدعو إلى إعادة الاعتبار للخشبة عبر دعم النصوص وتطوير التجارب الإخراجية.

عمان - يُعدّ المسرح فضاءً حيًّا يولّد الدهشة ويوقظ الحواس، حاملاً في طيّاته قدرة فريدة على مساءلة الواقع واستفزاز الخيال لتجاوز المألوف. فهو نافذة تطل منها الشعوب على ذاكرتها الثقافية وتاريخها وتطلعاتها، ومرآة تعكس همومها وأسئلتها الكبرى. ومنذ نشأته، ظلّ المسرح من أعرق الفنون التي أسهمت في نقل الرسائل الإنسانية وتعزيز التفكير النقدي، ليؤكد حضوره بوصفه فعلًا إبداعيًا يتجاوز حدود الأداء فوق الخشبة، إلى كونه ممارسة ثقافية وفكرية متكاملة.

كما يضطلع المسرح بدور محوري في تنمية الوعي الثقافي وترسيخ قيم الحوار بين الشعوب، إذ يسهم في نشر القيم الإنسانية، وصون التراث، وطرح رؤى جديدة تعيد قراءة قضايا المجتمع من زوايا مبتكرة. غير أن هذا الفن، رغم أهميته، يواجه في عالم اليوم تحديات متشعبة تعيق انتشاره وتحدّ من تأثيره، في ظل تحولات رقمية متسارعة أعادت تشكيل أنماط التواصل الإنساني، وأضعفت من حضور اللقاء الحي الذي يشكّل جوهر التجربة المسرحية.

وتأتي مناسبة اليوم العالمي للمسرح، الذي يُحتفى به في 27 مارس/آذار من كل عام، لتشكل فرصة للتأمل في واقع هذا الفن، عربيًا وعالميًا، واستكشاف ما يعتريه من صعوبات، خصوصًا في زمن هيمنت فيه التكنولوجيا الرقمية، وأسهمت في خلق مسافات بين الأفراد، مقابل ما يوفره المسرح من إمكانات للتلاقي والتفاعل والفهم العميق للذات والآخر.

وفي هذا السياق، يرى أمين عام وزارة الثقافة الأردنية السابق، الروائي والكاتب المسرحي هزاع البراري، في حديثه لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن هذه المناسبة تتيح إعادة النظر في المشهد المسرحي محليًا وعربيًا، مؤكدًا أهمية استمرار المهرجانات المسرحية بوصفها بديلًا حيويًا يعيد ضخ الحياة في هذا الفن.

وأشار البراري، الذي يشغل موقع عضو مجلس أمناء الهيئة العربية للمسرح، إلى أن الساحة المحلية لا تنفصل عن نظيرتها العربية، حيث تسهم المهرجانات في إحياء الخشبات، وتستقطب جمهورًا واسعًا من المسرحيين والمهتمين، في مشهد احتفالي يصل أحيانًا إلى حد الاكتظاظ.

وأكد أن هذه المهرجانات تمثل نبضًا حيًا للحراك المسرحي، بما تتيحه من تفاعل وتلاقٍ فكري وفني، يسهم في خلق وعي مسرحي متجدد، واستقطاب جمهور جديد من خارج الوسط المتخصص. كما يلفت إلى أن غياب النشاط المسرحي اليومي المنتظم جعل من هذه الفعاليات بديلًا ضروريًا، يعوّض جزئيًا هذا الفراغ، ويؤكد في الوقت ذاته مشروعية بقاء المسرح واستمراره.

ويشدد على أهمية استمرارية هذه المهرجانات وتعددها، إلى جانب دور الندوات النقدية والفكرية المصاحبة لها، التي تخلق فضاءات خصبة للحوار والتثاقف، وتمنح هذه الفعاليات طابعًا مختلفًا عن العروض الموسمية أو الفردية. كما يشير إلى الجهود التي تبذلها الجهات المنظمة، رغم التحديات المالية والإدارية، لتعويض تراجع دعم القطاع الخاص، وضمان استمرارية هذا الفعل الثقافي.

ولا يغفل البراري الإشارة إلى التحديات التي تواجه المسرح العربي، سواء على الصعيد الفني أو المالي أو الإداري، إضافة إلى تأثير الأزمات الإقليمية وما خلّفته من توقف عدد من المهرجانات، الأمر الذي انعكس سلبًا على الحركة المسرحية. كما ينبه إلى ضعف حركة التأليف والنقد المسرحي، داعيًا إلى تبني مشاريع نشر متخصصة تسهم في دعم المخرجين والكتاب، وبناء أرشيف مسرحي متنامٍ.

ومن جهته، يقدّم الكاتب والمخرج المسرحي الدكتور مخلد الزيودي قراءة مغايرة لواقع المسرح، معتبرًا أن العالم اليوم يشهد "عرضًا دمويًا" يتجاوز كل القواعد المسرحية الكلاسيكية، حيث تُستبدل اللغة بالحروب، وتتحول الأصوات إلى هدير طائرات وصفارات إنذار، في مشهد بصري وسمعي يطغى عليه التشوّه والعنف. ويستحضر في هذا السياق نماذج من المسرح الإغريقي والشكسبيري التي تناولت مآسي الحروب، في تأكيد على أن هذه القضايا ظلت حاضرة في الوعي الإنساني عبر العصور.

وبدورها، تشير المخرجة والأكاديمية الدكتورة مجد القصص إلى أن اليوم العالمي للمسرح، الذي أطلقه المعهد الدولي للمسرح عام 1961، يهدف إلى تعزيز هذا الفن عالميًا، ودعم الحوار الثقافي، والتأكيد على دوره في نشر السلام. وتلفت إلى أن ما تعيشه المنطقة العربية من صراعات، خاصة في غزة، يضع المسرح أمام مسؤولية أخلاقية وفنية، تدعو الفنانين إلى رفع أصواتهم دفاعًا عن الإنسان، وإيصال معاناة الشعوب إلى العالم.

وتؤكد القصص أن المسرح، رغم صمته أحيانًا أمام ضجيج الحروب، يظل أداة للتعبير والأمل، داعية إلى استعادة دوره في بناء جسور التفاهم، والتأسيس لسلام عادل، يقوم على الحوار لا العنف.

وفي مقاربة نقدية، تركز الدكتورة صبحة علقم على مركزية النص المسرحي، معتبرة أن أي حديث عن المسرح بمعزل عنه يفتقر إلى العمق. وترى أن تجريد النص من قيمته الأدبية يهدد جوهر المسرح، وإن لم يؤدِ إلى زواله. وتؤكد أن النص يظل العنصر الأكثر بقاءً، مقارنة بالعروض التي تتلاشى مع الزمن، لكنه يتجدد مع كل قراءة وإخراج جديد.

وتلفت إلى أن بعض النصوص المسرحية المعاصرة تعاني من الجمود أو التقليد، أو تنزلق نحو تجريب مفرط يباعد بينها وبين الجمهور، ما يسهم في تراجع الإقبال على العروض. ومن هنا، تدعو إلى دعم الكتابة المسرحية عبر المؤسسات التعليمية والثقافية، وتشجيع النشر في هذا المجال، وإدماج الكتابة الإبداعية ضمن المناهج الجامعية.

كما تؤكد ضرورة توفير بيئة داعمة للكتّاب، من خلال التفرغ الإبداعي وتخصيص جوائز محفزة، مشددة على أن النص المسرحي يمتاز بقربه من الجمهور، وقدرته على ملامسة قضاياه وتحفيز التفكير النقدي لديه.

وتختتم علقم باستحضار رؤية الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس، الذي أكد أن المسرح سيظل، رغم كل التحولات التكنولوجية، فضاءً إنسانيًا للتأمل والحوار، وركيزة أساسية في بناء المجتمع المدني، بما يعززه من قيم الانتماء والتعددية.