مايكل نورث يؤكد أنه لولا الملاحة البحرية لما كانت هناك عولمة
يفتتح المؤرخ الألماني مايكل نورث كتابه "اكتشاف بحار العالم.. من العصر الفينيقى إلى الزمن الحاضر" بمقطع من قصيدة "البحر تاريخ" للشاعر الكاريبي ديريك والكوت يقول فيه:
أين شواهدكم، معارككم، شهداؤكم؟
أين ذاكرتكم القبلية؟
أيها السادة فى القبة الرمادية. البحر. البحر قد أقفل عليها. البحر هو التاريخ.
في هذه القصيدة البحر محور التاريخ، حيث يحفظ البحر الذكريات فى قاعه كما يحتفظ بجثث البحارين والعبيد والكنوز إلى أن يخرجها البشر إلى النور. وإعادة إحياء هذه الذكريات هى موضع اهتمام المؤرخين، وبذلك يعتبر البحر واجبا وتحديا لهم فى الآن نفسه.
ويرى مايكل نورث في الكتاب الذي ترجمه أستاذ العلوم الاقتصادية العراقي د.عدنان عباس علي، وصدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية، أن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية تغطيها مياه البحار والمحيطات، وربما يكون وصفها بالكرة المائية أو البحرية أقرب إلى الحقيقة.
ويلاحظ أن عديدا من الفروع العلمية، وعلى الأخص تلك التى تعنى بالتاريخ أعادت اكتشاف أهمية البحر مرة أخرى: فبات علماء التاريخ يهتمون، مثلا بعلم الملاحة أى الجهود التى بذلت لتحديد خطوط الطول والعرض، فيما يناقش ويحلل علماء الأدب الأساليب الأدبية التى اعتمدت فى تصوير البحر. ويركز المؤرخون فى علم الاجتماع على حياة عمال الموانئ والملاحين وقراصنة البحار، بينما يهتم المؤرخون الاقتصاديون بالتجارة العالمية وبالملاحة وبالأمواج العاتية "التسونامى" وبالتغييرات البيئية، من قبيل التلوث وارتفاع درجات الحرارة. أيضا وبالنظر إلى تزايد الاهتمام بتاريخ العالم، بحيث باتت البحار والمحيطات موضوع بحث، نشأ علم تاريخ البحار الجديد. وتبين لنا التصورات المستقاة من الفن والأدب والفلسفة أن أمم العالم تنظر إلى البحر بطرق مختلفة؛ ففيما لا يزال المنظور الأوروبى الغربى يرى فى البحر عالم التوحش والخوف والرعب، عالم اللامعقول، ترى أقاليم أخرى من العالم، مثل سكان الجزر فى المحيط الهادى أو فى جنوب شرقى آسيا، فى البحر عنصرا يبعث على الطمأنينة. على صعيد آخر يتحدى البحر بنى البشر بأساليب مختلفة؛ فقوة أمواجه الفتاكة تتطلب من أولئك الأفراد، الذين يقتاتون منه، والذين يعانون ما يعانون بسبب قسوته، أن يتكيفوا مع خصائصه وأن يتجاوبوا مع تقلبات البحر، وأمور تنتج عنها تصورات عديدة وأساليب كثيرة، قد تقودنا دراستها إلى منظور مختلف للعلاقة السائدة بين البحر والبر.
روايات وأعمال فنية أيقظت فى القارئ ذكرياته البحرية، وحولت البحر إلى مكان تهفو وتشتاق إليه الكثير من القلوب
تأسيسا على هذه الحقائق يهتم نورث في كتابه بالأدوار المختلفة التى مارسها البحر عبر مراحل التاريخ المختلفة. ويقول أن هذه الأدوار تدفعنا إلى تسليط الضوء على أساليب نقل البضائع المادية والمعنوية عبر البحر، وهجرة جماعات كثيرة من الأفراد وتنقلها بواسطة الزوارق والسفن. وبهذا المعنى كما أن البحر وسيلة للتلاقى هو، فى الوقت نفسه، وسيلة للعزلة والتباعد. على صعيد آخر ليس ثمة شك فى أن ركوب بعض الجماعات البحر واضطلاعهم بتعزيز عرى التعاون مع الشعوب الساكنة خلف البحار، قد أدى إلى نتائج انعكست أيضا على تلك الجماعات التى لم تركب البحر أصلا. كما ترك التعامل مع البحر أثره فى المجتمعات الإنسانية. فالبحر قدم للإنسان، منذ قديم الزمن، الموارد الضرورية لسد حاجته إلى الغذاء، سواء كانت هذه الموارد مواد جاد بها قعر البحر أو كانت تسبح فى مياة البحر، أو نقلتها سفن تمخر عباب البحار. وعليه لا عجب أن تسعى الدول المختلفة إلى نشر سلطانها على البحار المختلفة، آملة الاستيلاء على هذه الثروات ومتطلعة إلى فرض نفوذها على المضايق المختلفة.
ويشير إلى أنه فى المقابل يسبغ البشر والمجتمعات أدوارا مختلفة على البحر: فهو أساس الحياة ووسيلة للتنقل وميدان للمعارك الحربية ومكان يستولد الحنين والذكريات.
وانطلاقا من هذه التصورات سعى نورث إلى رسم صورة لنظرة المجتمع والفن إلى البحر أيضا، ولكيفية تخيلهما خصائصة والصفات التى يعزوانها إليه. ففى طور دراسته للبحار تتجلى رؤية فرنان بروديل فى مؤلفه "المتوسط والعالم المتوسطى فى عهد فيليب الثانى"، التى قدم فيها، أول مرة، دراسة لإقليم بحرى شكل، على مدار قرون كثيرة من الزمن، وحدة جغرافية واحدة بفعل طبيعة ظروفه المكانية التى كتب القدر على الإنسان أن يتعايش معها ويستسلم لها. وألهمت النتائج التى توصل إليها بروديل كثيرا من المؤرخين ودفعتهم إلى أن يدرسوا بحارا أخرى بناء على المقاربة التى اتبعها بروديل فى دراسته للبحر المتوسط، بيد أنهم ما لبثوا أن توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه لا جدوى من تطبيق تلك المقاربة على المحيط الأطلسى، أو على المحيط الهادئ. وعلى صعيد آخر المنظور الذى يعتبر هذا البحر أو ذاك نظاما معزولا لا يتأثر كثيرا بمحيطه منظور لا يصيب كبد الحقيقة. فالروابط التى تنشأ فى بحار معينة ترتبط، عادة ببحار أخرى. وذلك يفضى، فى نهاية المطاف إلى آفاق جديدة فى تاريخ العالم.
أيضا يقتدي نورث في دراسته ـ كما أشار ـ بجون بارى، الذى قال فى العالم 1974 فى كتابه "اكتشاف البحر": "تشكل البحار قاطبة بحرا واحدا. فهى كلها مرتبطة بعضها ببعض. وإذا ما استثنينا المحيطات المتجمدة فإنها جميعها تصلح للملاحة ". وغنى عن البيان أن ظاهرة المحيطات المتجمدة قد بدأت فى التغير خلال عصرنا الحالى بفعل ارتفاع درجات الحرارة فى العالم، بحيث أصبح فى الإمكان الإبحار فى المحيطات المتجمدة باتجاه الشرق أو الغرب".
ويقول "عندما يكتب المرء عن تاريخ بحار العالم يتناول الاتصالات والمقاربات، مثلما يفعل عند الكتابة عن تاريخ العالم؛ وبذلك يصبح البشر الذين أنشأوا هذه الاتصالات أو الروابط محورا، وكذلك البضائع والأفكار التى تشحن من عالم إلى آخر، وميزة هذا المنظور تكمن فى أنه يدفعنا إلى التوقف عن رؤية البحر من وجهة النظر القومية المتبناة من قبل الأقاليم المطلة عليه، بل من منظور الروابط القائمة بين البحار".
ويؤكد نورث أن البحار تربط منذ قديم الزمان أقاليم العالم بعضها ببعض، وذلك من خلال إتاحتها الفرصة لنقل السلع والأفراد إلى أقاليم نائية، إلى أقاليم تقع أقاصى المعمورة. فلولا الملاحة البحرية لما كانت هناك عولمة، وتبقى هذه الحقيقة قائمة حتى إن اختلفنا بشأن الحقبة التى شهدت انطلاقة العولمة. ففى العصر الحاضر أيضا تنقل الوسائط البحرية نحو 90% من بضائع المتاجر بها عالميا. بيد أن أهمية البحار تتجاوز بكثير دورها باعتبارها وسيلة نقل. فالعمليات التجارية تركت طابعها على مختلف المجتمعات، وأسمهت فى نشأة مجتمعات جديدة على هذا الساحل أو ذاك. وبنحو مميز يهتم المؤرخ بالمجتمعات التى يرتبط بعضها بالبعض الآخر، ببحر أو بعدة بحار، ويدرس بنحو مكثف خصائص العلاقات المتبادلة بين هذه المجتمعات.
ويضيف أن التجار كانوا أول من عبر البحر طواعية من ناحية أخرى لا شك فى أن البضائع والأفكار التى حملوها معهم قد غيرت الثقافات والحضارات؛ ولا ريب فى أن أهمية السلع قد طرأت عليها تحولات كثيرة فى سياق مقايضة بعضها ببعض. كما ألقت طبيعة التجار ـ أو لنقل عقليتهم ـ وعقلية شركائهم التجاريين من ناحية، وعقلية زبائنهم المستهلكين من ناحية أخرى، بآثارها على التجارة العابرة للبحار. فعلى الشواطئ وفى الجزر المختلفة نشأت تجمعات جديدة تسود بين أفرادها مصالح اقتصادية متناظرة وأصول اجتماعية متماثلة ومستويات معيشية وأساليب حياتية متقاربة. إن هذا كله هو ما نلاحظه عند تجار الهانزا القاطنين فى أقاليم بحر البلطيق، وعند التجار المسلمين والصينيين المقيمين فى عالم المحيط الهندى، وعند الهولنديين أيضا الذين نشطوا فى جميع بحار العالم.
ويشير نورث إلى أنه على مدى زمن طويل ارتبطت هجرة التجار عبر البحار ارتباطا وثيقا بالمتاجرة بالبضائع الفاخرة، وذلك لأن التجار أنفسهم درجوا فى بادئ الأمر على اقتناء السلع الثمينة لحسابهم الخاص أو لحساب زبائن معينين. وللنهوض بهذه المهمات آثروا فى نهاية المطاف الاستقرار فى الأقاليم ذات العلاقة بانتاج وتصريف السلع التى تهمهم. ومن هنا ارتبط وجودهم المبكر فى أقاليم البحر المتوسط ومناطق بحر البلطيق وفى بلدان المحيط الهندى بالتجارة فى البضائع الفاخرة، وبإشباع طلب النخب الاجتماعية على هذه السلع. فى المقابل هيمنت السلع المطلوبة من عامة الناس، مثل الحبوب والأخشاب والسمك والسكر والتبغ، على التجارة العابرة للمحيط الأطلسى وعلى المبادلات التجارية التى تبلورت فى بحر الشمال وفى بحر البلطيق أيضا فى العصور المبكرة من الأزمنة الحديثة. على صعيد آخر كان أغلبية الأفراد الذين نقلوا عبر المحيطين الأطلسى والهادئ مستعبدين وأقنانا عجزوا عن تسديد ما فى ذمتهم من ديون، "وحمالين وعتالين" يعملون بأجر يومى، ومهاجرين طبعا هاجروا من ديارهم على أمل تحسين أوضاعهم فى بلاد الهجرة. والملاحظ هو أن هؤلاء المهاجرين والمستعبدين و"الحمالين والعتالين" قد نقلوا معهم إلى أوطانهم الجديدة تصوراتهم ومعتقداتهم الخاصة والأساليب التى درجوا عليها فى حياتهم اليومية.
ويضيف "فيما جنى سكان السواحل والجزر المختلفة نفعا كبيرا من الثروات الطبيعية الكامنة فى البحر من الكنوز المتنقلة فى البحار، حاول آخرون الانتفاع من الملاحة البحرية. فرجال الأعمال والقناصة المتخصصون فى صيد قضاعة البحر والغواصون المتخصصون فى استخراج اللؤلؤ والباعة الجائلون، دأبوا جميعا على إشباع طلب علية القوم على المرجان واللؤلؤ وخيار البحر أو فراء فضاعة البحر. أما بالنسبة إلى المستعبدين والمهاجرين والعاملين بأجر يومى فكان البحر يجسد ممرا يوصلهم إلى عالم يجهلونه ومستقبل لا علم لهم بما يخبئه لهم.
ويلفت نورث إلى السفن البخارية ربطت المحيطات بعضها ببعض بنحو أمتن، فهذه السفن حررت ـ بعض الشئ ـ الرحلات البحرية من تبعيتها للرياح والأمواج البحرية. أضف إلى هذا أن ازدياد سرعة السفن قد "قلص" كثيرا من المسافة بين المحيطات. وفى الوقت ذاته صار فى مستطاع المرء الوقوف بيسر على معنى ركوب البحر. من هنا لا عجب أن تتحول الرحلات على متون السفن البخارية، مثل عبور بحر المانش "القنال الإنجليزي" أو مضيق أوريسند إلى روايات أدبية وأعمال فنية. فهذه الروايات والأعمال الفنية أيقظت فى القارئ ذكرياته البحرية، وحولت البحر إلى مكان تهفو وتشتاق إليه الكثير من القلوب. أما من يقتاتون من نعم البحار، ويخترقون هذه البحار، فقد أصبح المحيط هو الفضاء الرحب للتواصل "بين مختلف الثقافات". فعديد من الملاحين وسكان الجزر النائية والجماهير التى تقطن على ضفاف البحار اعتقدوا بوجود آلهة البحر، وبوجود أولياء يسبحون بحمد هذه الآلهة القادرة على حمايتهم من المخاطر الحافة بركوب البحر، وبالتالي فقد درج القوم بأساليب متعددة على استمالة قلوب الآلهة والأولياء طلبا للرحمة.
على صعيد آخر ومنذ قديم الزمان ـ وبعيدا عن البحار ـ دأب التجار والرحالة على الاهتمام برعاية علاقاتهم بشركائهم في المهنة وعلى اتخاذ التدابير الضرورية لاستمرار التواصل مع عائلاتهم، علاوة على هذا تولت المجلات السياحية وتقارير الرحالة تجهيز الأفراد الذين آثروا البقاء فى ديارهم، أو الذين عقدوا النية على ركوب البحر مستقبلا، بصور أدبية تخبرهم عن العالم وأحواله. كما جرى عبر البحر الاطلاع على آخر "موضات" العصر. وبنحو متزامن مع هذه المستجدات والتطورات، ربط التجار والملاحون سواحل بحر معين أو سواحل مختلف البحار بعضها ببعض، مستحدثين بذلك أقاليم بحرية ذات خصائص مشتركة وبفعل هذه التطورات اتخذ المعروض السلعي خصائص متشابهة فى أسواق العالم، وتزايد عدد الساهرين على إدارة هذه الأسواق الشاسعة.
وإلى جانب وظائف البحر ـ أعنى وظيفته باعتباره مصدرا للموارد والثروات الطبيعية، ووسيلة للنقل، وفضاء شاسعا للتواصل، ومكانا تشتاق إليه القلوب وتستعيد فيه ذكرياتها عن الأيام الجميلة ـ بات البحر أيضا يؤثر بنحو حاسم فى تطور المناخ العالمى.

