مخلفات زمن المالكي
ليس أمام السلطة في العراق سوى أن تلجأ إلى العنف من أجل اخماد نار الاحتجاجات الشعبية وانهاء الاعتصامات في مدن الجنوب والوسط.
فالوعود التي تقدم بها رئيس الوزراء المنتهية ولايته منذ شهرين لا تكفي لطمأنة المحتجين الشباب إلى أن شيئا من مطالبهم سيجد طريقه إلى التنفيذ، لا لأن الحكومة مغادرة بما يعني أن وعودها ستكون غير ملزمة لأية حكومة قادمة فحسب بل لأن هناك أيضاً قناعة قد تبلورت لدى الشارع العراقي تفيد بأن هناك انفصالا عميقا بين الحكومة، أية حكومة، وما يُفترض أنه وظيفتها أي تصريف شؤون الشعب وفي مقدمتها الخدمات.
الحكومة وفق المفهوم العراقي الحالي لا تخدم سوى أعضائها وأقربائهم من الدرجات الأولى. وهي تتصرف بميزانية الدولة التي هي ملك العراقيين كما يُفترض باعتبارها مُلكا خاصا يتم توزيعه بين شرائح محددة من المجتمع، في مقدمتها تلك التي تتشكل منها الطبقة السياسية الحاكمة والأحزاب المتنفذة والميليشيات.
وإذا ما عدنا إلى جدول الرواتب الذي وُضع في زمن نوري المالكي ولا يزال ساريا لأذهلنا حجم الفروقات بين ما خصص لأفراد تلك الشرائح المحظوظة وبين ما خُصص لعامة أفراد الشعب.
لقد كرس المالكي نظاماً طبقيا جديدا يستند إلى مفهومي الخاصة والعامة.
اما ما كان فائضا من الأموال فقد تصرف المالكي به بما كان يخدم مشروعه الطائفي الذي يتباهى بإسلاميته كذباً. ذلك لأن المشروع الديني لا يتعارض منطقيا مع إقامة منظومات للكهرباء والماء الصالح للشرب والري كما أنه لا ينفي حاجة المجتمع إلى المدارس والمستشفيات والطرق والجسور.
كان المالكي يكذب في اسلاميته من أجل أن يغطي بحربه الطائفية على ما يقوم به من هدر للمال العام بغية عدم استعماله في خدمة المجتمع.
لقد كشفت الاحتجاجات حقيقة البؤس والتعاسة والذل الذي وقعت بين براثنه المدن ذات الأغلبية الشيعية في زمن حكم الشيعة المطلق.
ففي الوقت الذي كان سكان المدن ذات الغالبية السنية يتعرضون فيه للإبادة بمسوغ الإرهاب الغامض كان سكان المدن ذات الغالبية الشيعية يتضورون جوعا وتنتشر البطالة بين شبابهم في انتظار لحظة الفرج. اللحظة التي يختفي فيها شبح الإرهاب.
كانت المكيدة قاسية بما انطوت عليه من قيم لا إنسانية ولا أخلاقية.
اقترح المالكي أن تُطلق يده في إبادة أعداء الحسين المفترضين مقابل أن ينتظر مناصرو الحسين اللحظة التي ستهطل عليهم فيها نعم السماء بما لم يكن يحلمون به.
للأسف سكت المجتمع العراقي على عمليات الإبادة التي مارسها المالكي وميليشيات إيران غرب العراق. الادهى من ذلك أن المجرم كان مرضيا عنه في الولايات المتحدة. وكانت إيران تدعمه في فساده الذي أحرق وارادات النفط العراقي في عقود وصفقات وهمية بحيث يرى المرء أينما تنقل في العراق حجر أساس لمدرسة ولمستشفى ولجسر ولمصنع من غير أن يرى المدرسة ولا المستشفى ولا الجسر ولا المصنع.
ترك المالكي آثارا تشير إلى زمن فساده.
اليوم يفتح العراقيون الشباب عيونهم على الكذبة التي يتخللها الكثير من العار.
لقد غدر نوري المالكي بالجميع حين وضع ثروة العراق كلها في خدمة شرائح بعينها، يعتقد أنها الأحق فيها.
لا أعتقد أن هناك في تاريخ العراق المعاصر مَن أرتكب جرائم في حق الشعب بحجم الجرائم التي ارتكبها نوري المالكي. ذلك لأن جرائمه لا تنحصر في الزمن الذي حدثت فيه بل تتجاوزه إلى المستقبل.
المحتجون الشباب اليوم هم ضحايا قسمته الظالمة.
ما فعله المالكي أثناء سنوات حكمه الثماني يحصد العراقيون ثماره الآن فقرا وحرمانا وتهميشا وبطالة وشعورا عميقا باليأس.
فالشباب المحتجون الذين يحيطون بشركات النفط معتصمين انما يفعلون ذلك رمزيا من أجل الإشارة إلى المأساة التي تنطوي عليها مفارقة أن النفط يتسرب من بين أقدامهم من غير أن تمسك أياديهم بشيء من نعمه.