مديرية المسارح السورية أمام اختبار الإحياء
دمشق - تواجه مديرية المسارح والموسيقا في سوريا واقعاً معقّداً في هذه المرحلة المفصلية، التي أعقبت ما وُصف بانتصار الثورة السورية، حيث تتراكم آثار عقود طويلة من التهميش والتدهور، الأمر الذي يجعل من إعادة التأهيل أولوية ملحّة تمهّد لانطلاقة جديدة في الحقلين الثقافي والفني.
وأوضح مدير المديرية الفنان نوار بلبل، في حديثه للوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، أن قطاع المسرح يقف اليوم أمام مهمة شاقة للعودة إلى "نقطة البداية"، بعد سنوات من الإهمال، لافتاً إلى أن حالة البنية التحتية للمسارح تعكس بوضوح حجم التحديات التي يواجهها المشهد الثقافي برمّته، مؤكدا أن العمل في هذه المرحلة لا ينحصر في تطوير الإنتاج المسرحي فحسب، بل يبدأ أولاً بإعادة بناء الأسس، وتهيئة فضاءات تليق بالفنان والجمهور معاً.
وأشار بلبل إلى أن موقعه الإداري لا يتناقض مع هويته الفنية، بل يكمّلها، معتبراً أن "الفنان موقف"، وكذلك المدير، ما يحمّل الاثنين مسؤولية توجيه العمل الثقافي بما يتقاطع مع قضايا المجتمع وتطلعاته، مشددا على ضرورة توسيع دائرة المشاركة لتشمل مختلف الفاعلين في الحقل الثقافي، والانفتاح على طاقات جديدة قادرة على الإسهام في إعادة تشكيل المشهد الفني.
ووصف واقع المسرح السوري بأنه "متهالك"، سواء على مستوى البنية التحتية أو الأطر التشريعية، مشيراً إلى أن البيروقراطية لا تزال من أبرز العوائق التي تعرقل تطوير العمل المسرحي. وفي هذا السياق، دعا إلى تحديث القوانين المعمول بها، وابتكار آليات أكثر مرونة في الإنتاج، بما يواكب التحولات الثقافية ويرتقي بجودة العروض.
وكشف بلبل أن المديرية شرعت فعلياً في تنفيذ خطط لإعادة تأهيل عدد من المسارح، يتقدمها مسرح الحمراء نظراً لرمزيته التاريخية، مؤكداً أن تحسين البنية التحتية يمثل خطوة أساسية لاستعادة ثقة الجمهور، موضحا أن أعمال الترميم تتم بالتعاون مع جهات داعمة، رغم تعدد الأولويات الوطنية، مشدداً على أن المسرح ليس ترفاً، بل ركيزة في إعادة بناء الوعي المجتمعي.
وعلى صعيد الانفتاح الخارجي، أشار إلى طرح أفكار قيد الدراسة لإقامة شراكات ثقافية مع مدن ومهرجانات عالمية، من خلال صيغ "توأمة" ثقافية، بما يعزز حضور المسرح السوري دولياً. غير أنه لفت إلى أن تحقيق هذا الهدف يظل مرهوناً أولاً بتأهيل البنية التحتية وتجهيز المسارح لاستقبال عروض وفرق أجنبية.
وفي ما يتعلق بتراجع الإقبال الجماهيري، أوضح بلبل أن هذه الظاهرة ذات طابع عالمي، في ظل المنافسة الشديدة من الوسائط الرقمية، مؤكداً أن استعادة الجمهور تمر عبر تقديم أعمال تحترم وعيه وتخاطب ذائقته. كما أشار إلى أن القيود السابقة ألقت بظلالها على الإنتاج المسرحي، ما يستدعي اليوم توسيع هامش حرية التعبير المسؤولة لإعادة الحيوية إلى الخشبة.
وفي إطار دعم العمل المسرحي، لفت إلى توجه المديرية نحو تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص عبر نظام الرعاية، رغم التحديات القانونية القائمة، مؤكداً انفتاحها على مختلف المبادرات الداعمة لهذا القطاع.
واختتم بلبل حديثه بالتشديد على أهمية دور الفنان في هذه المرحلة، داعياً إلى انخراط فاعل في إعادة بناء المشهد الثقافي، انطلاقاً من قدرة المسرح على الإسهام في تشكيل الوعي المجتمعي وتقديم صورة أكثر واقعية عن سوريا.
ويُعد نوار بلبل من أبرز الأسماء في المسرح السوري، وهو ممثل ومخرج تخرّج في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وبرز ضمن تيار المسرح المستقل من خلال أعمال تناولت قضايا إنسانية واجتماعية، مقدّماً عروضاً داخل سوريا وخارجها، ومشاركاً في مهرجانات دولية، من بينها مهرجان أفينيون. كما عُرف باهتمامه بالمسرح التفاعلي، خاصة في بيئات النزوح واللجوء.
ومنذ عام 2011، عُرف بلبل بمواقفه الداعمة للثورة، ما دفعه إلى متابعة نشاطه الفني خارج البلاد لفترة، قبل أن يعود لاحقاً، ويتولى حالياً موقعاً إدارياً في مديرية المسارح والموسيقا.