مذكرات روائية تفك أسر الكلمات من مؤامرة الصمت
تكاد تجيب جينيت وينتيرسون على حزمة من الاسئلة رافقتها منذ روايتها الاولى "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة" كما تدع الافق مفتوحاُ على اطلاق اسئلة متصاعدة في كتابها الجديد "لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين".
هذا الكتاب يبدو انه ولد تحت ضغط امتزاج الخيالي بالواقعي في سيرة وينتيرسون، وعما اذا كانت حقاً قد عكست حياتها الخاصة في روايتها الاولى، وتكاد تجد ما تجيب أو تبرر به في كتابة مذكراتها.
مهما يكن من امر فالكتاب الجديد "لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين" موضع احتفاء نقدي منذ ظهوره في المكتبات قبل اسابيع، وكل العروض التي كتبت عنه تكاد تعيد قوس الكلام الى رواية "البرتقالة". حتى ان "بي بي سي" خصصت اشهر برامجها الاذاعية لقراءة مقاطع من الكتاب بصوت جينيت نفسها.
والكتاب مذكرات واقعية بامتياز، مفعم بالحوار الشعري والروائي، لا يخلو من الحِكم والغضب والتهكم، انه ببساطة كتاب تعيد فيه جينيت العلاقة الضائعة مع امها!
اختارت ان تضع صورتها على الغلاف عندما كانت طفلة تلعب وحدها على ساحل البحر، هل رأيتم من قبل ان يكون الساحل فارغا من الناس؟ أمن اجل ذلك اختارت له هذا العنوان؟ "لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين"، هل أرادت ان تقول "يكفي ان تكون وحيداً؟" هي جملة سمعتها من امها عندما قرر جينيت وينتيرسون ترك العائلة وهي في السادسة عشرة من عمرها.
عن أي أم تبحث؟
هل حقا تبحث جينيت عن امها في مذكراتها؟ لكن عن أي أم تبحث؟ امها التي تبنتها منذ ان كان عمرها بضعة اسابيع، أم امها البايولوجية التي تعرفت عليها أخيراً؟
في رواية "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة" 1985 التي اصبحت لازمة لوينتيرسون، مع انها نشرت بعدها "ركوب الزوارق للمبتدئين"، "العاطفة"، "ثمار الكرز"، "الكتابة على الجسد"، "ثلاثة أصوات وسمسار"، "تماثل"، "ياويربوك"، "أطلس"، "ويايت"، نكتشف ان جينيت تكتب شيئا من سيرتها عن أم متطرفة في مسيحيتها وتعمل لتجعل من ابنتها مبشرة وترغمها على الذهاب الى الكنسية ست مرات في الاسبوع.
هذه الرواية التي تحولت الى فيلم انتجته "بي بي سي" عام 1990، تعالج الوضع النفسي لفتاة تعيش مع والديها المهتمين بالشعائر الكنسية والاخلاص المطلق لتقاليد الكنيسة بلا عمق فلسفي، تطبيق أعمى مجرد من العاطفة.
وعندما تتعرف الفتاة على صديقة لها تنجذب اليها كعشيقة، كذلك تكتشف الأم العلاقة الشاذة بين الفتاتين وتنقل الامر لراعي الكنيسة الذي يقوم في قداس بكشف الأثم علناً أمام الحاضرين ويدعو بالمغفرة للفتاتين آملا أن تتخلصا من هذا الاثم.
وبينما تنهار الفتاة الثانية تبقى بطلة جينيت وينتيرسون على اصرارها مدعية أنها لم تقم بعمل آثم.
فهل هذه الفتاة الشاذة جنسيا هي الكاتبة نفسها؟
لم يكن من الممكن ــ تقول وينتيرسون ــ "ان اعتقد ان (البرتقالة) هي حياتي الخاصة، حتى لو كنت مكان القارئ او الناقد الذي يعتقد ذلك.
اعتقد ان ذلك سيكون خطأ عظيماً، أردت ان اخترع نفسي كشخصية روائية مما سبب لي الكثير من الحيرة، بالطبع ان الاساس قائم في رواية (البرتقالة) لكن هناك الكثير من ذاتي وحياتي بداخل متن جميع كتبي".
ومع ان الكثير من القراء يرون ان السيرة الذاتية تعد باعادة الصلة المفقودة بينهم وبين الكاتب، إلا ان جينيت وينتيرسون ترى أن ذلك طريق ضيق للانقضاض على أي شيء.
"خذ مسرحيات شكسبير مثلا، فهل من الممكن أن تجيء كل تلك الاحداث من حياة شكسبير نفسها، إن كان ذلك ممكنا فهذا يعني ان شكسبير يجب أن يكون خمسين رجلا، وأنا بالطبع لا أذهب الى تلك النظرية".
وفي كتاب "لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين" تكتب بما يشبه الاعتراف ان حياتها كانت ثيمة روايتها الاولى، وهذه المرة في كتاب مذكرات، تعيد الكلام الى الصلة المفقودة مع امها بالتبني وكيف كانت تعتقد ان الشيطان يمكث في سريرها عندما ترى كتاباً بيد ابنتها غير الكتاب المقدس، الامر الذي جعلها تمنع دخول أي كتاب الى المنزل الا الكتاب المقدس.
تقول جينيت "أرادتني أمي أن أحقق شيئاً ما تعوض فيه ماعانته من احباطات في كل طموحاتها.. إهتمت كثيراً أن تجعلني مبشرة، واليوم أشعر أنني لم أكن أعرف ماذا كانت تريد مني، أو تريدني أن أكون".
تعلمت وينتيرسون أن تقرأ السيّر ببطء من خلال ما قرأته في الاصحاح الخامس في الانجيل، لكن عندما عرفت أمها أن إبنتها هرّبت بعض الكتب الخاصة واخفتها تحت وسادتها قامت باحراقها جميعاً.
"عرفت أمي أن الكتب ستقودني إلى التيه، وكانت على حق، وبعد أن استقليت عن الاسرة لم أخذ شيئاً معي، الاشياء التي أحببتها ضاعت جميعها بالفعل".
من قرأ رواية "البرتقالة" سيكتشف ان كل ماراوده حول هذه المرأة كان صحيحاً، وهاهي جينيت بنفسها تكتب ما يشبه الاعتراف في كتابها الجديد، الذي لم يتأخر كثيراً عن العمر الافتراضي للكاتب، اذا عرفنا ان جينيت وينتيرسون ولدت عام 1959، ونشرت روايتها الاولى عام 1985، وتكتب مذكراتها عام 2011.
المعنى العميق للفقدان
عناصر القصة مألوفة لأولئك الذين قرأوا روايتها الخيالية "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة"، لكن هذه المذكرات تكشف اجواء التضارب الاكثر غرابة، انها كارثة بالمعنى العميق للفقدان وغياب الحلول النهائية للعلاقة بين البنت وامها، من دون ان تفقد الكاتبة صلتها المتشبثة باللغة لإعادة بناء احساسها بحياتها الماضية، ومعها من الشجاعة ما يكفي للعودة الى الماضي وتدوينه.
كل ذلك يلتقي في متن هذا الكتاب بطريقة مضحكة، حادة، عنيفة واحتفالية، وهذا هو سمة البحث القوي الشكيمة عن الانتماء، عن الحب، والهوية، المنزل، والأم.
لم تر جينيت امها كونستانس وينتيرسون منذ ان غادرت منزل العائلة وكان عمرها آنذاك 16 عاما للدراسة في جامعة اوكسفورد، الغت حياتها السابقة تماما بين ابوين لايعرفان اي طريق آخر غير طريق الكنيسة، وعندما نشرت رواية "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة" كان عمرها 25 عاماً، انتابها انذاك شيئأ لا يمت بصلة للحنين وكانت تود ان ترى امها على الاقل لترسم لها صورة كما تحدثت عنها في الرواية! تتساءل "كيف يمكن ان اراها من خلال صوتها؟" وهي تحاول الاتصال بها في الهاتف.
تصفها في كتابها الجديد بالمرأة الضخمة والطويلة، ترتدي الجوارب المحتشمة والصنادل المسطحة وحجاب النايلون المسيحي، تضع بعض المساحيق على وجهها للحفاظ على بشرتها، لكن قطعاً ليس أحمر الشفاه.
كانت وينتيرسون في حاجة لفك اسر الكلمات من مؤامرة الصمت، مع انها تدرك ان لا أحد سيغفر لمن يكسر هذا الصمت، او هل ستجيب هذه المذكرات عمن سيغفر لامها عن كل ذاك العذاب. "لكن الاهم من ذلك لماذا لا تفخر بي بعد ان صغت حياتي معها في رواية خيالية؟".
استعادت وهي تكتب، العوالم الداخلية لاميلي ديكنسون وفرجينيا وولف، لكنها تساءلت ايضاً لماذا ينبغي أن تقتصر الكتابة على المرأة قبل أي شخص أو أي شيء؟ لماذا ينبغي للمرأة أن تكون تواقة للأدب الذي يعالج حياتها؟ ولماذا لاتكون طموحة لنفسها؟.
تحدثت مع امها بالهاتف بعد كل تلك السنين وكانت قد سألتها اذا كانت "البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة" مجرد قصة، لماذا هذا التشابه بالاسماء؟ وقالت لها لسنا أول عائلة تخترع تبني الاطفال، عندما اخترناك لتكوني ابنتنا. لتؤكد لها في النهاية ان ثمة شيء مفقود في كتابها هذا.
وبعد زيارة واحدة في عيد الميلاد عندما كانت تدرس الأدب الانكليزي في جامعة اوكسفورد، لم تلتق جينيت بامها بعد ذلك "توفيت الأم عندما كانت جينيت في الثلاثين من عمرها".
لقد تكرر هذا السؤال كثيرا امام جينيت وينتيرسون عن الحقيقي وغير الحقيقي في رواية "البرتقالة"، وحتى بعد نشر مذكراتها واكتشف القراء، الحقيقي حقاً في الرواية، فأن جينيت تقابل السؤال نفسه باسئلة موازية.
![]() |
||
| غلاف كتاب لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين | ||
فالعالم الذي عاشت فيه كان مؤلماً جداً وغير عادل وظالم، بل خارج نطاق السيطرة، وما كتبته كان أشبه "بقصة تعويضية" لهذا الظلم، مع ان السيدة وينتيرسون "الأم" كانت تفضل ان تبقى جينيت صامتة.
الحياة المفترضة
ولدت جينيت في مانشستر عام 1959. والتُقطت وهي لم تبلغ السنة من عمرها لتتبناها عائلة في أكرينغتون- انكشاير، كان كل شيء انتهى في حياتها المفترضة مع حياتها الواقعية واعتمد والدها بالتبني جون ويليام وينتيرسون تاريخ 21 كاون الثاني (يناير) 1960 تاريخ مولدها بالنسبه له.
عاشت في منزل بارد، انها عائلة انجيلية بامتياز لا يقربون الشراب باستثناء "براندي الكرز" في عيد الميلاد، اب يحاول التهرب من الجيش لتوفير العيش لعائلته، وأم رمت خاتم زواجها في الحضيض ورفضت العلاقات الجنسية، حتى عندما كانت تدخن لسبب ما فانها تجعل الأمر سراً. كانت تعتقد ان الله سيبعث لها بالاطفال.
تورد جينيت هذه الصور الجامدة من سيرة العائلة وتقول "انا افترض ان الله سيبعث لهما بالاطفال لو مارسا الجنس بطريقة طبيعية، لا استطيع ان افهم الان كيف كان يفكر أبي، مع ان امي كانت تصفه بانه ليس مثل غيره من الرجال".
مرة سألت جينيت امها "لماذا لا يكون لدينا بعض الكتب في البيت اسوة بغيرنا؟ فردت عليها بانك لا يمكن ان تعرفي محتوى الكتاب الا بعد قراءته، وعندها يكون قد فات الأوان".
تقول جينيت وبعد فوات الاوان، فعلا اكتشفت ذلك في وقت متأخر! وهكذا كانت تقرأ في طفولتها في الخفاء.
وعندما ارادت ان توظف تلك الحكاية افترضت ما يسمى بالمرأة العملاقة في روايتها "ثمار الكرز" عن امها التي تشعر انها أكبر بكثير من عالمها.
ولما سُمح لها بالقراءة في مكتبة المدينة، كان يفرض عليها كتب التاريخ والدين وغير مسموح لها قراءة اي كتاب يقترن بالخيال.
لكنها عندما كانت تتهرب من هذا الطوق كانت تلجأ الى ت.س. اليوت، ومرة انهمرت دموعها وهي تقرأ داخل المكتبة، وقتها كان حتى العطاس غير مسموح به في صالات المكتبات!، فأُخرجت الى الخارج لتكمل القراءة، حدث ذلك قبل وقت قصير من تركها العائلة.
نكتشف ايضا في مذكرات وينتيرسون انها قررت ان تفعل شيئا حيال العثور على ماضيها الحقيقي، تفكر بالانتحار، وتلتقي والدتها الحقيقية، لكن هذا لا يعني نهاية القصة، فهي لا تقبل ان تكون لاي من الامهات المتقدمات اليها. والكتابة عن الماضي لا تعني انها غير قادرة على اكتشاف الحب في المستقبل، الحب هذا اللغز الذي تفتقر اليه وكان يطاردها.
وفي النهاية تبقى مذكرات جينيت وينتيرسون "لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين" اشبه بطريقة للخروج من الماضي أو الكتابة فوقه، مدونة بقوة القص على أمل جعل المستقبل أفضل.
