مراكش ضمن أفضل مدن العالم سياحيا عام 2026
مراكش (المغرب) ـ تواصل مدينة مراكش ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية في العالم، بعدما احتلت موقعا متقدما ضمن تصنيف أفضل المدن العالمية لعام 2026، الصادر عن مجلة "تايم آوت" البريطانية، المتخصصة في السفر والثقافة الحضرية.
ويؤكد هذا التصنيف من جديد الجاذبية المتزايدة للمدينة الحمراء، التي استطاعت بفضل تاريخها العريق وتنوع معالمها السياحية والثقافية أن تصبح نقطة جذب رئيسية للسياح من مختلف أنحاء العالم.
وقد أصدرت المجلة، التي تنشر توصياتها منذ عام 1968 بشأن مئات المدن عبر العالم، تصنيفها السنوي لأفضل 50 مدينة في العالم لعام 2026، بالاعتماد على استطلاعات رأي شملت نحو 24 ألفا من سكان 150 مدينة، إضافة إلى تصويت أكثر من 100 خبير في السفر والثقافة من فريق المجلة.
ويأخذ التصنيف بعين الاعتبار مجموعة من المعايير المرتبطة بجودة الحياة في المدن، مثل الثقافة والحياة الليلية وسهولة التنقل سيرا على الأقدام وتكاليف المعيشة والطهي والمتاحف والمساحات الخضراء والعلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء.
وفي هذه النسخة من التصنيف، برزت أربع مدن إفريقية ضمن القائمة العالمية، من بينها مدينة مراكش التي جاءت في المرتبة الرابعة والعشرين عالميا، لتؤكد مرة أخرى حضورها القوي في المشهد السياحي الدولي.
وتعد هذه المدينة التاريخية واحدة من أهم الوجهات السياحية في المغرب، حيث تجمع بين التراث العريق والحيوية الثقافية الحديثة، ما يمنحها طابعاً فريداً يجذب ملايين الزوار سنوياً.
ولا تعد مراكش غريبة على مثل هذه التصنيفات الدولية، فهي مدينة ذات تاريخ ضارب في القدم، أسست في القرن الحادي عشر خلال حكم المراديين، وظلت عبر قرون مركزا سياسيا وثقافيا مهماً في المغرب وشمال إفريقيا.
وقد لعب موقعها الجغرافي دورا مهما في جعلها ملتقى للثقافات والحضارات، إذ كانت محطة رئيسية على طرق التجارة القديمة التي ربطت بين الصحراء الكبرى وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط.
ويبرز الطابع التاريخي لمراكش من خلال معالمها المعمارية الشهيرة التي تحكي فصولاً من تاريخ المدينة. ويعد جامع الفنا القلب النابض للمدينة القديمة وأحد أشهر الساحات في العالم، حيث تتحول يومياً إلى فضاء حي يجمع بين الحكواتيين والموسيقيين وباعة الطعام التقليديين وفناني الشارع، في مشهد ثقافي فريد يعكس روح المدينة. وقد أدرجت هذه الساحة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو لما تمثله من قيمة ثقافية وإنسانية استثنائية.
كما تضم المدينة مجموعة من المعالم التاريخية البارزة التي تشكل محطات رئيسية في مسار السياح، من بينها جامع الكُتبية الذي يعد أحد أبرز الرموز المعمارية في المدينة، بفضل مئذنته الشاهقة التي تعود إلى القرن الثاني عشر وتعد نموذجاً مميزاً للعمارة المغربية الأندلسية. ويقصد الزوار هذا المعلم التاريخي ليس فقط لمكانته الدينية، بل أيضاً لجماله المعماري وموقعه المميز بالقرب من قلب المدينة.
ومن بين المعالم التاريخية التي تستقطب اهتمام الزوار أيضا قصر الباهية الذي يعد تحفة معمارية تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث يعكس روعة الفن المعماري المغربي من خلال زخارفه الدقيقة وساحاته الواسعة وحدائقه الداخلية. كما يشكل مقابر السعديين واحدا من أبرز المواقع التاريخية التي تعود إلى فترة حكم السعديين، وهو موقع يجذب السياح لما يحمله من قيمة تاريخية وجمالية.
ولا تقتصر جاذبية مراكش على معالمها التاريخية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى فضاءاتها الطبيعية ومساحاتها الخضراء التي توفر للزوار لحظات من الهدوء بعيداً عن صخب المدينة. وتعد حديقة ماجوريل من أشهر هذه الفضاءات، حيث تتميز بألوانها الزاهية ونباتاتها النادرة، وقد أصبحت واحدة من أكثر المواقع زيارة في المدينة.
إلى جانب ذلك، تشتهر مراكش برياضاتها التقليدية التي تحولت إلى فنادق صغيرة فاخرة تستقطب الزوار الباحثين عن تجربة إقامة تجمع بين الراحة والأصالة. وتتميز هذه الرياضات بطابعها المعماري الفريد، حيث تحيط الغرف بساحة داخلية تتوسطها نافورة أو حديقة صغيرة، ما يخلق أجواءً هادئة تعكس روح العمارة المغربية التقليدية.
كما تشكل الحياة الثقافية في مراكش عاملا مهما في تعزيز جاذبيتها السياحية، إذ تحتضن المدينة على مدار العام العديد من الفعاليات الفنية والمهرجانات الدولية التي تستقطب فنانين ومبدعين من مختلف أنحاء العالم.
وتعد فنون الطهي أيضا أحد أبرز عناصر الجذب السياحي في المدينة، إذ تزخر مراكش بمجموعة واسعة من المطاعم الراقية التي تقدم أشهى الأطباق المغربية التقليدية مثل الطاجين والكسكس، إلى جانب مطاعم عصرية تقدم تجارب طهو مبتكرة تمزج بين المطبخ المغربي والمطابخ العالمية.
ووفقا لنتائج الاستطلاع الذي اعتمدته مجلة تايم آوت، فإن الإحساس بالانتماء الاجتماعي يعد من أبرز عناصر قوة المدينة. فقد أظهرت النتائج أن 82 في المائة من السكان يشعرون بالانتماء إلى مجتمعهم المحلي، بينما يرى 74 في المائة أن سكان المدينة يتميزون بروح إيجابية وترحيبية.
وتقول الخبيرة المحلية في المجلة، باولا هاردي، إن الزائر يشعر في مراكش وكأنه في بيته، بفضل الأجواء الودية التي تميز سكانها.
كما تلعب سهولة التنقل داخل المدينة دوراً مهماً في تعزيز جاذبيتها السياحية، إذ يمكن للزوار استكشاف العديد من معالمها التاريخية سيراً على الأقدام داخل أزقة المدينة العتيقة، التي تزخر بالأسواق التقليدية والحرف اليدوية والمنتجات المحلية.
وتستفيد مراكش أيضا من موقعها الجغرافي المميز بالقرب من سلسلة جبال الأطلسي، ما يتيح للسياح إمكانية الجمع بين استكشاف المدينة التاريخية والقيام برحلات طبيعية إلى الجبال أو الصحراء القريبة. وقد ساهم هذا التنوع في التجارب السياحية في جعل المدينة وجهة مثالية للباحثين عن المغامرة والاسترخاء في الوقت نفسه.
بفضل كل هذه المقومات، نجحت مراكش في تعزيز مكانتها كإحدى أهم الوجهات السياحية في القارة الإفريقية، حيث تستقطب أعداداً متزايدة من السياح سنوياً. كما ساهمت خلال العامين الماضيين في ترسيخ موقع المغرب كوجهة سياحية رائدة في إفريقيا، بفضل مزيجها الفريد من التاريخ والثقافة والطبيعة والضيافة.
وهكذا، تواصل المدينة الحمراء تأكيد حضورها في خريطة السياحة العالمية، مستفيدة من إرثها الحضاري العريق ومن قدرتها المستمرة على التجدد والانفتاح على العالم، ما يجعلها واحدة من المدن التي لا تزال تبهر زوارها وتمنحهم تجربة لا تنسى.






