مساع إيرانية لتبريد الاحتقان الشعبي
طهران - أعلن المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية، أصغر جهانغير، اليوم الثلاثاء الإفراج عن مئات المحتجين الذين لم يشاركوا في أعمال عنف، في خطوة تهدف إلى تخفيف حدة الاحتقان الشعبي فيما أكد على تشديد لإجراءات بحق القادة الذين تورطوا في العنف والتحريض، وذلك بعد دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، للتعامل مع الاحتجاجات الشعبية بطريقة تحول دون تحويلها إلى أزمة.
وأوضح جهانغير في مؤتمر صحفي نقلته وكالة تسنيم أن "الرأفة الإسلامية" ستطبق على من تورطوا بالخطأ أو الانفعال، لكنها لن تشمل من ارتكبوا أعمال عنف أو دمروا الممتلكات العامة.
وأشار المسؤول القضائي إلى أن الجهاز القضائي الإيراني يعتمد نهجًا يقوم على التمييز بين "المغرر بهم" الذين انخرطوا في الاحتجاجات دون قصد، وبين "القادة والمحرضين" الذين ينظمون الأحداث ويزيدون من حدتها. وأضاف أن الاعتراف بالخطأ وإظهار الندم يعتبر عاملًا مهمًا عند النظر في شمول الأفراد بالعفو.
وأكد أن الفئة المشمولة بالعفو شملت خصوصًا المراهقين والأشخاص الذين شاركوا بدافع الانفعال ولم يرتكبوا جرائم، وقد تم الإفراج عن العديد منهم في مراحل مبكرة من الاحتجاز بعد توقيعهم على تعهدات بالامتناع عن أي أفعال قد تضر بالأمن العام. وفي المقابل، شدد على أن المسؤولين الرئيسيين والمنظمين للحوادث وأولئك الذين تعاونوا مع جماعات إرهابية سيواجهون المحاكمة، مع ضمان الفصل الدقيق بين المتهمين الرئيسيين ومن تم تضليلهم. وأوضح أن الفرق القضائية والضباط المختصين في 31 محافظة يواصلون دراسة ملفات المتهمين بسرعة ودقة، بهدف معالجة القضايا دون تأخير.
كما كشف جهانغير عن إحصاءات رسمية للعملية القضائية، مشيرًا إلى صدور قرارات بمنع الملاحقة بحق 347 شخصًا، ووقف الملاحقة بحق 96 آخرين، وتعليق الملاحقة بحق 58 شخصًا، بينما تم إحالة أكثر من 10 آلاف شخص للمحاكمة، بالإضافة إلى تنظيم نحو 8.843 لائحة اتهام أُرسلت إلى المحاكم للفصل فيها.
من جانبه بزشكيان، خلال مشاركته في حفل تخرج أكاديمية الشرطة بالعاصمة، إلى إدارة الاحتجاجات بطريقة تمنع التصعيد، مع ضمان سلامة قوات الأمن. وشدد على ضرورة ضبط النفس أثناء التعامل مع المتظاهرين، مؤكدًا أن السيطرة على حالات الاستياء في مراحلها الأولى تمنع تحوّلها إلى أزمات كبيرة. كما شدد على أهمية تزويد قوات الأمن بوسائل حديثة وتقنيات تمكنها من إدارة الاحتجاجات دون تعريض أنفسهم أو المدنيين للخطر.
من جانبه تحدث المرشد الإيراني علي خامنئي عن الأحداث الاحتجاجية التي شهدتها إيران خلال الشهر الماضي، مشيراً إلى أن ضحايا تلك الاضطرابات يمكن تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات رئيسية. وأكد أن معظم من سقطوا خلال هذه الأحداث يُنظر إليهم باعتبارهم من أبناء الوطن، باستثناء من وصفهم بقيادات الشغب أو الجهات المدعومة من الخارج.
وأوضح أن الفئة الأولى تضم عناصر قوات الأمن والحرس الثوري والمتطوعين الذين شاركوا في حماية النظام، معتبراً أنهم أدّوا واجبهم الوطني. أما الفئة الثانية فتشمل المدنيين الذين قُتلوا دون مشاركة مباشرة في الاحتجاجات، نتيجة أعمال العنف التي رافقت الاضطرابات. وتتمثل الفئة الثالثة في أشخاص شاركوا في الاحتجاجات بدافع التأثر أو قلة الخبرة، معتبراً أنهم ضحايا أيضاً رغم مشاركتهم المحدودة.
وفي ختام حديثه، شدد على أن دائرة الضحايا واسعة، وأن من لم يتورط في قيادة أعمال العنف أو تلقي دعم خارجي يستحق الرحمة والمغفرة.
وتأتي هذه الإجراءات والتصريحات في ظل أرقام غير رسمية تشير إلى توقيف أكثر من 50 ألف شخص منذ اندلاع الاحتجاجات أواخر ديسمبر/كانون الاول 2025، شملت طلابًا وأساتذة وكتابًا، فيما أفادت تقارير حقوقية بوقوع مئات حالات الاعتراف القسري وآلاف القتلى، مع اعتراف السلطات الإيرانية بمقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، أغلبهم من عناصر الأمن والمدنيين الذين قالت إنهم سقطوا نتيجة أعمال وصفتها بالإرهابية.
وتتصاعد الضغوط الدولية على إيران، إذ تدعو الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل طهران إلى ضبط أنشطتها النووية والصاروخية ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، بينما تهدد طهران بالرد على أي تدخل عسكري، مؤكدة على ضرورة رفع العقوبات الاقتصادية الغربية مقابل أي اتفاق حول برنامجها النووي. وفي المقابل، أكدت إيران رفضها التفاوض بشأن أي قضايا خارج نطاق برنامج تخصيب اليورانيوم.
تعكس هذه التطورات محاولة طهران المزج بين الانفتاح الجزئي من خلال الإفراج عن بعض المحتجين، والمراقبة القضائية الصارمة لمنع أي تفاقم للأزمة الاجتماعية والسياسية، في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات والضغوط الدولية على حد سواء.