مقتل جنود 'اليونيفيل' بجنوب لبنان يثير سجالا دوليا

التحقيقات الأولية تشير إلى استهداف مباشر لقوات حفظ السلام عبر عبوات ناسفة.

نيويورك - في ظل مشهد ميداني متفجر يشهده جنوب لبنان منذ اندلاع المواجهات الشاملة في الثاني من مارس/آذار، تصدرت استهدافات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة "اليونيفيل" واجهة المشهد السياسي والدبلوماسي. وكشف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، أمام مجلس الأمن الدولي اليوم الثلاثاء، عن تفاصيل جديدة تتعلق بمقتل جنود من الكتيبة الإندونيسية، مؤكداً أن التحقيقات الأولية تشير إلى استهداف مباشر عبر عبوات ناسفة.

ووفقاً لإفادة لاكروا، فإن النتائج الأولية للتحقيق في مقتل جنديين إندونيسيين الاثنين بالقرب من بلدة بني حيان في جنوب لبنان، تشير بوضوح إلى "انفجار على الطريق" استهدف قافلتهم بشكل مباشر. ولم يقتصر الحادث على القتيلين، بل أسفر عن إصابة جنديين آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.

وفي حادثة منفصلة تعكس خطورة الوضع الأمني، قُتل جندي إندونيسي ثالث في الساعات الأولى من صباح أمس إثر انفجار قذيفة سقطت بالقرب من أحد مواقع اليونيفيل. ووصف لاكروا هذه الأحداث بأنها "مشينة"، مشدداً على أن قوة اليونيفيل تجري تحقيقات تقنية معمقة لتحديد الجهات المسؤولية بدقة ووضوح.

تبادل الاتهامات في أروقة الأمم المتحدة

أثارت هذه الحوادث موجة من السجالات الدبلوماسية داخل مقر المنظمة الدولية. فقد ألقى سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، باللوم مباشرة على حزب الله في مقتل الجنود الثلاثة.

وقال دانون إن الحزب يستخدم البنية التحتية المدنية داخل القرى اللبنانية كمنصات لإطلاق الصواريخ، مؤكداً أن هذه المنصات تقع في كثير من الأحيان "بجوار مواقع الأمم المتحدة مباشرة"، وهو ما يعرض القوات الدولية لخطر نيران الرد الإسرائيلي أو النيران الصديقة أو حتى الاستهداف المتعمد لخلق ضغط دولي.

من جانبها، ردت المتحدثة باسم اليونيفيل، كانديس أرديل، بنبرة حذرة على ادعاءات دانون، حيث دعت الجانب الإسرائيلي إلى "تقديم أي أدلة ملموسة يمتلكونها إلى فريق التحقيق التابع للمنظمة"، مؤكدة أن البعثة لا تبني استنتاجاتها إلا على وقائع ميدانية مثبتة.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن المعلومات المتوفرة حتى الآن ترجح أن تكون الواقعة في بني حيان ناجمة عن "قنبلة مزروعة على جانب الطريق، أو عبوة ناسفة مرتجلة الصنع (IED)"، مما يعزز فرضية الاستهداف المتعمد للقوات الدولية.

تحذيرات من "جرائم حرب" ومطالبات بالمساءلة

أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الهجمات بأشد العبارات، واصفاً إياها بأنها "انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي"، محذرا من أن استهداف قوات حفظ السلام قد يرقى إلى مستوى "جرائم الحرب" وفقاً للمواثيق الدولية.

على الصعيد الدبلوماسي، أعربت وزارة الخارجية الإندونيسية عن استنكارها الشديد لمقتل جنودها، محملة العمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية جزءاً من المسؤولية في تدهور الوضع الأمني الذي يعرض القوات الدولية لخطر دائم. وأكدت جاكرتا أنها تواصل التنسيق مع الأمم المتحدة لضمان أمن جنودها الذين يشكلون العمود الفقري لبعثة اليونيفيل.

وشهدت جلسة مجلس الأمن موقفاً لافتاً من المبعوث الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتس، الذي استعرض سجل الخسائر البشرية لليونيفيل منذ تأسيسها في عام 1978، مشيراً إلى أن مقتل أكثر من 300 جندي عبر العقود يوجب على المجلس إعادة تقييم "جدوى هذا الجهد" بشكل جذري.

واقترح والتس تحولاً في الاستراتيجية الدولية، يتضمن دعم مؤسسات الدولة اللبنانية: وعلى رأسها الجيش اللبناني، لتمكينه من بسط سيطرته وتقليص المخاطر: عبر إعادة تموضع القوات الدولية أو تغيير قواعد الاشتباك وممارسة ضغوط قصوى على حزب الله وإيران لدفعهما نحو وقف "الأنشطة المزعزعة للاستقرار".

مستقبل اليونيفيل: العد التنازلي للانسحاب

تأتي هذه الأحداث المأساوية في وقت حرج لبعثة اليونيفيل. فوفقاً لقرارات مجلس الأمن الأخيرة، من المقرر أن تنهي القوة عملياتها رسمياً بنهاية عام 2026، على أن يبدأ الانسحاب الكامل والتدريجي خلال عام 2027.

وحتى شهر مارس/آذار الجاري، لا تزال البعثة تضم 7505 جندياً ينتمون إلى 47 دولة، وتعد إندونيسيا من أكبر المساهمين فيها. ومع تصاعد حدة الحرب التي بدأت في مطلع هذا الشهر، يرى مراقبون أن خطر بقاء هذه القوات في "منطقة عازلة" تحولت إلى ساحة قتال مفتوحة قد يعجل من مراجعة تفويضها أو حتى تسريع جدول انسحابها إذا لم تتوفر ضمانات أمنية كافية.

ختاماً، تظل دماء جنود حفظ السلام في جنوب لبنان صرخة تحذير من انزلاق المنطقة نحو صراع أوسع، حيث تتقاطع النيران بين الأطراف المتحاربة وتجد القبعات الزرقاء نفسها عالقة في منتصف الطريق بين التزامها بقرار الأمم المتحدة وواقع ميداني لا يرحم.