منصات التجارة الإلكترونية الكبرى أولى ضحايا الحرب الأميركية على ايران
الرياض - تواجه منصات التجارة الإلكترونية الكبرى تحديات متزايدة في توقيتات التوصيل إلى منطقة الشرق الأوسط، وذلك في أعقاب تعطل مسارات جوية وبحرية حيوية جراء حملة القصف التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران.
وتتصاعد المخاوف من أن تتحول هذه الاضطرابات اللوجستية المؤقتة إلى اختناقات مزمنة، حال استمرار التصعيد العسكري أو توسع نطاقه جغرافياً، مما يهدد إمدادات واحدة من أسرع أسواق التجارة الإلكترونية نمواً في العالم.
مؤشرات التأخير في منصات التسوق
تشير بيانات التتبع إلى قفزة في التقديرات الزمنية لتوصيل البضائع للمستهلكين في المنطقة عبر تجار التجزئة الصينيين الرئيسيين. فقد رفعت منصة "تيمو" (Temu) تقديراتها لوقت التوصيل ليصل حالياً إلى 20 يوماً، مقارنة بـ 15 يوماً في السابق، وفقاً لبيانات "17Track". كما قامت منصة "شي إن" (Shein) بتوسيع نافذة الشحن الخاصة بها لتتراوح بين ثمانية إلى 10 أيام، بدلاً من خمسة إلى ثمانية أيام.
وفي موازاة ذلك، أظهرت منصة "أمازون" (Amazon.com Inc) نوافذ توصيل تصل إلى 45 يوماً لبعض العناصر، وهي فترة أطول بنحو 10 أيام مما كانت عليه قبل تفاقم الصراع. ويعزو مراقبون في القطاع هذا التباطؤ إلى اضطرار الشركات لإعادة هيكلة سلاسل الإمداد وتغيير مسارات الشحن بعيداً عن بؤر التوتر، مع تزايد الاعتماد على موانئ وسيطة أو رحلات جوية أطول وأكثر كلفة.
تحذيرات من تداعيات اقتصادية
تخاطر الضربات المستمرة بإطالة أمد انتظار المستهلكين، حيث أفاد اثنان من التجار الصينيين الذين يبيعون منتجاتهم عبر منصات "أمازون" و"شي إن" و"تيمو"، بأنهم أوقفوا مؤقتاً خطط شحن أي مخزون جديد من الصين إلى الشرق الأوسط لحين استقرار الأوضاع. وقد حذر وكلاء الشحن هؤلاء التجار من أن تكاليف الشحن وأوقات التوصيل قد تتضاعف في حال استمرت الاضطرابات، في سيناريو يعيد للأذهان اختناقات سلاسل التوريد التي شهدها العالم خلال جائحة "كوفيد-19".
ولم يرد ممثلو شركات "أمازون" و"شي إن" و"تيمو" على طلبات للتعليق على هذه التطورات حتى الآن. ويرى محللون أن هذه الشركات قد تجد نفسها مضطرة لامتصاص جزء من التكاليف المرتفعة مؤقتاً للحفاظ على تنافسيتها، قبل أن تعمد لاحقاً إلى تمريرها تدريجياً للمستهلك النهائي من خلال رفع الأسعار أو فرض رسوم شحن إضافية.
السوق الإقليمي كـ"محرك نمو"
تؤكد هذه التأخيرات مدى سرعة ارتداد الصراع على سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يرفع من مخاطر ارتفاع الأسعار ونقص المنتجات، لا سيما في ظل تزامن هذه الأزمات مع شهر رمضان، الذي يمثل موسم التسوق الرئيسي في المنطقة. وقد أصبح الخليج محرك نمو حاسماً للبائعين العالميين والصينيين، مدعوماً بقاعدة سكانية شابة وأثرياء يعتمدون بشكل مكثف على السلع المستوردة، مما يجعل أي تعطّل في التدفقات التجارية ذا أثر مباشر على مستويات العرض والطلب.
وفي هذا الصدد، وصف هوانغ لون، وهو تاجر ملابس صيني توسع في أعماله بالمنطقة العام الماضي، سوق الشرق الأوسط بأنه "مشطوب هذا العام" بسبب تراكم طبقات المخاطر، مثل التعريفات الأمريكية المتغيرة، وتشديد اللوائح التنظيمية في أوروبا، والحروب في المنطقة. ويتوقع هوانغ أن يعيد عدد من البائعين تقييم خطط توسعهم الإقليمي، مع احتمال تأجيل استثماراتهم في مخازن محلية أو شراكات لوجستية جديدة إلى حين اتضاح الصورة.
ارتباك الملاحة والتوقعات المستقبلية
تستمر اضطرابات السفر في المنطقة، حيث مددت شركات الطيران الخليجية تعليق الرحلات الجوية الشامل، مما يفرض ضغطا إضافيا على الشحن البحري، ويدفع باتجاه رفع أقساط التأمين على البضائع المارة بمناطق النزاع.
ويأتي هذا الارتباك في وقت يزداد فيه عدم اليقين في الولايات المتحدة—وهي تاريخياً السوق الأكثر ربحية للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود—مما يجعل المنطقة رهاناً استراتيجياً لا يمكن للبائعين الصينيين التخلي عنه بسهولة.
ومع تعقيد إدارة ترامب لقواعد الواردات منخفضة القيمة، وجد التجار الصينيون أنفسهم أمام ضرورة التحول إلى أسواق أخرى. ورغم أن مبيعات التجزئة عبر الإنترنت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نمت بمعدل سنوي قدره 11% منذ عام 2022، ومن المتوقع وصولها إلى 57 مليار دولار بحلول عام 2026، يحذر المحللون من أن استمرار التوتر قد يقلص وتيرة النمو ويؤجل تحقيق هذه التقديرات.
من جانبها، كانت "أمازون" قد وصفت الشرق الأوسط بأنه "المسار الذهبي" للبائعين العالميين، مشيرة إلى نمو مبيعات البائعين الصينيين في المنطقة بأكثر من 50% في عام 2024. كما كثفت "شي إن" من توظيف الموردين الصينيين مراهنة على قوة الإنفاق الاستهلاكي في رمضان، لكن استمرار المخاطر الجيوسياسية قد يدفع هذه الشركات لإعادة النظر في استراتيجياتها، بما في ذلك تعزيز التخزين المحلي لتقليل الاعتماد على الشحن العابر للمضائق الحساسة.
توقف حركة الملاحة في المضائق
على الصعيد اللوجستي، أدى الصراع إلى إبطاء الشحن الجوي والبحري، حيث أوقفت شركات بينها "إم إس سي ميديتيرينيان شيبينغ كو" (MSC) حجوزات الشحن للشرق الأوسط، بينما علقت "أيه بي مولر-ميرسك" (Maersk) و"هاباج-لويد" (Hapag-Lloyd) جميع عمليات العبور في مضيق هرمز. هذا التوقف لا يقتصر أثره على السلع الاستهلاكية كالملابس والإلكترونيات فحسب، بل يمتد ليشمل سلاسل الإمداد الصناعية، حيث قد تواجه المواد الخام والمكونات الوسيطة اضطرابات حادة.
كما يواجه التجار الهنود اضطرابات مماثلة في مجموعة واسعة من السلع، تشمل البتروكيماويات، والمنتجات الزراعية، وقطع غيار السيارات، والسلع الرأسمالية، والمستحضرات الصيدلانية، والمنسوجات.
وتشير التقديرات إلى أن هذه القيود تهدد بتأخيرات إضافية وارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين، في ظل تحذيرات من خبراء بأن أي إغلاق مطول للمضائق أو تصعيد إضافي قد يدفع الشركات العالمية إلى إعادة تقييم تموضعها اللوجستي في المنطقة بشكل جذري.