منع دمشق الكحول يحكم بالموت على مئات المنشآت السياحية
دمشق - حظرت السلطات السورية بيع "المشروبات الروحية" في المطاعم والحانات في العاصمة دمشق، في قرار أثار غضبا واسعا في العديد من المناطق والأحياء المسيحية بالإضافة إلى المراكز والمطاعم والمقاهي السياحية، وسط جدل واسع على مواقع التواصل لفرض توجهات متشددة في العاصمة.
وفي حين تركز الأنظار على الأحياء المسيحية التاريخية، فإن تداعيات القرار تطال كامل مدينة دمشق. فالملاهي الليلية والمطاعم المنتشرة في مناطق الربوة وشارع 29 أيار وغيرها من مناطق، والتي كانت تمثل متنفساً للكثيرين، ستجد نفسها مضطرة للإغلاق أو تحويل نشاطها.
ورفض الكثيرون المبررات التي تسوقها المحافظة وبعض المدافعين عنها لاتخاذ مثل هذه القرارات.
والقرار الإداري صادر عن المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق، لم يكتفِ بإعادة تنظيم قطاع، بل فتح نافذة على جدل هوياتي عميق في سوريا، وأثار تساؤلات عن المسار الذي ستتخذه البلاد: هل هي عودة إلى نموذج الانفتاح الذي كان يُراهن عليه، أم انزياح تدريجي نحو تشدد اجتماعي غير مسبوق؟
يتجنب القرار فرض حظر كامل وصريح على الكحول، تفادياً لردود فعل محلية ودولية واسعة، ويلجأ عوضاً عن ذلك إلى "الخنق عبر التضييق الإداري". فالقرار يحصر بيع المشروبات الكحولية جغرافياً في ثلاثة أحياء فقط ذات غالبية مسيحية هي: باب توما، القصاع، وباب شرقي.
ويشترط أن تبتعد المحلات المرخصة مسافة لا تقل عن 75 متراً عن أي دور عبادة أو مدارس، وهو شرط في مدينة عريقة ومكتظة كدمشق، يعني عملياً شطب معظم التراخيص القائمة.
ويحوّل تراخيص "الحانات" و"النوادي الليلية" قسراً إلى تراخيص "مقاهٍ" عامة، في خطوة تمحو قطاعاً كاملاً من قطاعات السياحة والترفيه.
ويمنع تقديم المشروبات الروحية "بالكأس" في المطاعم والمقاهي العامة، ليقتصر البيع على "المحتوى" (الزجاجات المختومة) للاستهلاك خارج المحل.
وتبرر المحافظة القرار بـ"شكاوى الأهالي" واصفة بعض المظاهر بأنها "مخلة بالآداب العامة". وهي ذريعة يراها قانونيون خطيرة، لأن مفهوم "الآداب العامة" فضفاض ومتغير، وقد استُخدم تاريخياً في قضايا مختلفة.
قال أحد أصحاب الحانات في دمشق، إنه سيغلق منشأته، مشيراً إلى أنه كان يتوقع صدور مثل هذا المرسوم منذ بعض الوقت، وإلى انخفاض حاد في عدد الزبائن منذ وصول الحكومة التي يقودها الإسلاميون إلى السلطة. وذكر صاحب الحانة، الذي رفض الكشف عن هويته خوفاً من التعرض للمضايقات، أنه لا يرى فائدة من تحويل منشأته إلى مطعم أو مقهى لا يقدم المشروبات الكحولية، مضيفاً أن الناس لا يأتون إلى هناك لتناول البيتزا أو تدخين الشيشة (النارجيلة).
وأفاد أحد أصحاب المحلات في ساحة المحافظة، "القرار لا يستثني أحداً. نحن خارج دمشق القديمة، وتراخيصنا أصبحت في مهب الريح. محلات بيع المشروبات المرخصة منذ عشرات السنين ستغلق أبوابها. لكن السؤال: هل سيتوقف الناس عن الشراء؟ بالتأكيد لا. التهريب سيزداد، والسوق السوداء ستزدهر، وبدلاً من أن تبقى التجارة تحت أعين الدولة وتدر ضرائب، ستدفع إلى السرية والعشوائية."
ويضيف آخر "المناطق السياحية في دمشق لا تقتصر على باب توما. هناك فنادق ومطاعم راقية في كل أنحاء المدينة كانت تقدم خدمة متكاملة. اليوم، ربما ستفقد هذه المنشآت زبائنها، وستتحول دمشق من عاصمة فيها حياة ليلية إلى مدينة راكدة بعد الغروب."
هذه المخاوف تعكس مفارقة كبيرة، بدلاً من تنظيم القطاع وجعله مصدر دخل للخزينة العامة في وقت تعاني فيه البلاد من انهيار اقتصادي، فإن القرار يدفع به نحو الموت أو العمل غير القانوني، مما يعمق الأزمة ويزيد من هشاشة الوضع المعيشي.
في الأحياء المستثناة من الحظر، لم يقابل القرار بالرضا، بل بالصدمة والغضب. ففي باب توما وباب شرقي، حيث تمتزج كنائس القرن التاسع عشر مع المقاهي العصرية، يرى أصحاب المحلات أن القرار بمثابة "حكم بإعدام" على قطاعهم.
يقول أحد أصحاب المطاعم في المنطقة، معبراً عن حيرته وغضبه "استثنوا منطقتنا؟ نحن لا نريد استثناءً، نريد عدالة! هذه المنطقة سياحية وتصنيفها "درجة أولى" في المحافظة، وليست حياً سكنياً عادياً. بعض المحال ترخيصها بتقديم المشروبات الكحولية يزيد عمرها عن 70 سنة، كانت مقصداً للسياح والموسيقيين والسفراء. اليوم يريدون إلغاءها بجرة قلم!"
ويضيف موضحاً التناقض التاريخي "في باب توما فقط، هناك مكانان فقط لديهما ترخيص لبيع المشروبات الكحولية منذ أكثر من 70 عاماً. اليوم يُطلب منهما إعادة الترخيص وكأنهما يمارسان عملاً غير قانوني! ماذا حدث؟ هل تغيرت دمشق فجأة؟"
ويتساءل صاحب المطعم عن الدور الغائب للحكومة "أين وزير السياحة مما يجري؟ هذا القرار يقتل السياحة المحلية والخارجية. نحن في بلد يجب أن يكون ركيزته الأساسية الحريات والانفتاح السياحي، وليس الانغلاق. إذا استمرينا بهذا الاتجاه، سنفقد السياح المحليين الذين يبحثون عن متنفس، والخارجيين الذين يأتون لرؤية وجه سوريا الحضاري. في مصر، دبي، وحتى السعودية اليوم، قطاع الترفيه مزدهر لأنه يعلم أن السياحة ليست فقط أكلًا، بل ترفيه وحياة".
ويحذر من العواقب "إذا طبق القرار، 200 منشأة في باب شرقي وقصاع وباب توما ستتجه للإغلاق أو العمل تحت الطاولة. بدلاً من التنظيم والجباية الضريبية، سندفع التجارة إلى السرية والتهريب. نريد إعادة نظر، أو على الأقل توضيحاً. تعلّموا من السعودية كيف طوروا سياحتهم كي لا يسافر مواطنوهم للخارج".