موسم استثنائي يعيد وهج الدراما السورية

أعمال ضخمة وإنتاجات مشتركة تعلن عودة الثقة بالصناعة السورية، وتؤكد قدرتها على المنافسة عربيا بروح جديدة أكثر نضجا وجرأة.

دمشق ـ يبدو موسم رمضان 2026 مختلفاً في خريطة الدراما السورية، سواء من حيث تنوّع الموضوعات أو جرأة المعالجات أو اتساع رقعة الإنتاج المشترك. بين الاجتماعي والتشويقي والكوميدي، مرورا بأعمال تستند إلى وقائع قريبة من الذاكرة السورية، تحاول الدراما هذا العام أن تستعيد موقعها بوصفها مرآة للناس، ومنصة لقراءة الواقع ومساءلته.

هذا الحراك الفني يعكس حالة من الحيوية داخل الوسط الدرامي، ويؤشر إلى رغبة واضحة في إعادة بناء الثقة بين العمل التلفزيوني والجمهور، بعد سنوات من التحديات الإنتاجية والظروف الصعبة التي أثّرت على الصناعة برمتها.

وتشير تقارير وكالة الأنباء السورية إلى أن الموسم الحالي يشهد زيادة ملحوظة في عدد الأعمال المنجزة، مقارنة بالسنوات السابقة، مع مشاركة شركات إنتاج محلية وعربية، ما يعكس توجهاً لإعادة تموضع الدراما السورية في السوق العربي، دون التفريط بخصوصيتها الثقافية واللغوية. كما لفتت إلى أن هذا التنوع لا يقتصر على الشكل الإنتاجي، بل يمتد إلى طبيعة القضايا المطروحة، التي تلامس تحولات المجتمع السوري خلال العقد الماضي.

 حضور أسماء لامعة إلى جانب تجارب شابة، وعودة موضوعات كبرى تتصل بالعدالة والسلطة والهوية والعائلة، كلها عناصر تجعل من هذا الموسم محطة لافتة تؤكد أن الدراما السورية لا تزال قادرة على تجديد أدواتها ومخاطبة جمهورها داخل سوريا وخارجها.

واللافت أن كثيرا من الأعمال تتجه إلى نصوص مكتوبة بعناية، مع اهتمام واضح بالبناء الدرامي المتماسك والشخصيات المركبة، بعيدا عن السرد السطحي أو المعالجات النمطية.

ويتجه الموسم إلى مقاربة أكثر عمقاً لتفاصيل الحياة اليومية، وما شهدته العلاقات داخل الأسرة والمجتمع من تحولات خلال السنوات الماضية. وغدت الدراما هنا مساحة لرصد تبدلات القيم ومشاعر الخوف والأمل، وإعادة تقديم الحكاية السورية برؤية أقرب إلى الناس. فالكاميرا لم تعد تكتفي بتوثيق الحدث، بل تسعى إلى تفكيك أسبابه ونتائجه، وإضاءة المساحات الرمادية في العلاقات الإنسانية.

ومن أبرز الأعمال في هذا المنحى مسلسل "مولانا" للمخرج سامر برقاوي، عن نص للكاتبة لبنى حداد، وبطولة تيم حسن ومنى واصف ونور علي. ويراهن هذا العمل الاجتماعي المعاصر على خلطة النجومية والطرح الراهن ليحجز موقعه بين أكثر الأعمال متابعة، إذ يتناول إشكاليات السلطة المعنوية والدينية داخل المجتمع، وعلاقتها بالتأثير الاجتماعي والسياسي، ضمن حبكة تتشابك فيها المصالح الشخصية مع الأسئلة الأخلاقية.

ويأتي "سعادة المجنون" بإخراج سيف الدين السبيعي، وسيناريو وحوار علاء مهنا، ومعالجة درامية لزهير الملا، ليمزج بين الجريمة والصراع النفسي ضمن إطار اجتماعي نفوذي.

ويقدّم العمل عالما تتقاطع فيه المصالح الخفية مع الهواجس الفردية، في محاولة لقراءة العنف بوصفه نتاجا لتراكمات اجتماعية ونفسية، لا مجرد حدث معزول.

 أما "مطبخ المدينة"، من كتابة علي وجيه بالشراكة مع سيف رضا حامد وإخراج رشا شربتجي، فيراهن على واقعية إنسانية تلتقط قسوة التفاصيل اليومية. يتصدر البطولة عباس النوري وأمل عرفة، ويقدَّم بوصفه صورة عن هموم الناس، مع طموح واضح لأن يرى المشاهد نفسه في مرآة الحكاية.

ويذهب المسلسل إلى عمق الطبقة الوسطى وما تعانيه من ضغوط اقتصادية وتغيرات اجتماعية، مقدماً شخصيات تنبض بالحياة وتتصارع مع أسئلة الكرامة والنجاة.

مزيج متنوع
مزيج متنوع

ويمتد التنافس هذا العام إلى ملفات اجتماعية وسياسية حساسة، دفعت ببعض الأعمال إلى الواجهة قبل عرضها، حيث يبرز مسلسل "الخروج من البئر"، المستلهم جزئيا من تجارب الاعتقال في سجن صيدنايا، حيث يغوص النص الذي كتبه سامر رضوان وأخرجه محمد لطفي في العتمة النفسية والوجودية لعالم السجون.

وتتقاطع حكايات معتقلين من خلفيات مختلفة، يجمعهم صراع واحد: التشبث بإنسانيتهم في مواجهة القهر، والسعي إلى بصيص نجاة في واقع قاسٍ. يقترب العمل من منطقة شديدة الحساسية، ويضع المشاهد أمام تساؤلات أخلاقية عميقة حول العدالة والذاكرة والصفح.

 بدوره، يتناول "عيلة الملك" تحولات السلطة داخل العائلة بعد الاعتقال المفاجئ لرجل أعمال نافذ. العمل من كتابة ورشة تضم شادي كيوان ومعن سقباني وميادة إبراهيم، وإخراج محمد عبد العزيز، ويرصد تشابك المال بالسياسة، وصراعات الإرث والنفوذ داخل العائلة الواحدة، والاستقواء بالأجهزة الأمنية زمن النظام البائد. والمسلسل من بطولة جوان الخضر وسلوم حداد وديمة بياعة ونادين خوري ولجين إسماعيل وآخرين تمنح العمل ثقلا تمثيليا يعزز حضوره المتوقع.

 ويعود مسلسل "اليتيم" إلى البيئة الشامية، لكن برؤية تتجاوز الصورة التقليدية للحارة. ويتتبع العمل صراعات عائلية وتشابكات إنسانية معقّدة، كاشفاً ما يختبئ خلف الجدران العتيقة من تحولات عميقة.

العمل من كتابة قاسم الويس وإخراج تامر إسحاق، وبطولة سامر إسماعيل وفادي صبيح ونادين خوري وأيمن رضا تضفي على النص بعداً إنسانياً يوازن بين الأصالة والتجديد، ويعيد طرح سؤال الهوية ضمن سياق اجتماعي متغير.

 ورغم ثقل هذه الموضوعات، لا تغيب الكوميديا عن المشهد. يقدم "بنت النعمان"، من كتابة محمد أوسو وإخراج سيف الشيخ نجيب، معالجة مرحة لمفارقات العلاقات الأسرية والاجتماعية، مستندا إلى كوميديا الموقف وسرعة الإيقاع، كما يعود الجزء الثالث من "ما اختلفنا" بسلسلة لوحات ساخرة تناقش قضايا اجتماعية وسياسية بأسلوب طريف، بمشاركة وفاء موصلي وأندريه سكاف وروعة ياسين وجرجس جبارة وغيرهم، ليبقى الرهان على الكوميديا بوصفها مرآة المجتمع القادرة على تمرير النقد بذكاء وخفة.

تسجّل خريطة 2026 حضورا لافتا للأعمال المشتركة التي تعكس رغبة الصناعة السورية في التوسع عربياً دون خسارة هويتها. في مسلسل "خمس أرواح"، يؤدي قصي خولي شخصية شمس، الشاب المعروف بلقب "ابن الميتة" بعدما وُجد رضيعاً إلى جانب والدته المتوفاة. ويعيش حياة بسيطة بلا هوية واضحة، قبل أن ينقلب مصيره عقب وفاة رجل ثري يكتشف أنه الوريث الوحيد لثروته. ويمزج العمل بين التشويق والغموض والصراع النفسي، مع مشاركة كاريس بشار وعادل كرم ورفيق علي أحمد وجوزيف بو نصار وجنيد زين الدين، في صيغة إنتاجية عابرة للحدود.

ويجمع "المحافظة 15" بين الواقعية الإنسانية والسخرية السياسية، متناولا تقاطع معاناة اللبنانيين مع أوضاع اللاجئين السوريين في لبنان، في معالجة لقضايا الفقر وصراع البقاء، من بطولة كارين رزق الله وعدنان أبو الشامات وحسن خليل، وإخراج سمير حبشة. ويعكس العمل توجهاً لطرح قضايا إقليمية بلغة درامية مشتركة، تلامس جمهوراً أوسع.

وفي إطار كوميدي اجتماعي خفيف، يعود "يا أنا يا هي 2" ليستكمل حكاية رجل عالق بين امرأتين تمثلان نمطين مختلفين من الحياة، في معالجة تعكس صراع الأجيال واختلاف الثقافات بين المجتمعين السوري واللبناني، ضمن قالب يناسب جمهور المنصات ويحافظ على جاذبية العرض التلفزيوني.