مينا مصر.. شهادة عن المد الديني في الثمانينيات
بقلم: أشرف عتريس
كان مسجد ( الرحمن ) يعج بأعضاء الجماعة الاسلامية ومسجد (المبرة ) يستحوذ عليه الاخوان اما السلف في كل مكان وكان هناك ايضا مسجد الجمعية الشرعية جنوب المدينة – الكل يعمل وينشط تحت سمع وبصر الجميع ووجودهم في الشارع له تأثير كبير على كل شرائح المجتمع حتى ان بعض الاخوة المسيحيون كانوا يلوذون بهم احيانا في بعض مشاكلهم مع البلطجية والمسجلين خطر ولا يذهبون الى أقسام الشرطة ولا يعترفون بالقانون في دولة المفترض انها دستورية والقانون يحمي المؤسسات والافراد وكل الممتلكات العامة.
في منتصف الثمانينيات تحول أشهر شارع تجاري في المنيا (الحسيني) إلى محلات لأصحاب اللحى وتجارة الملابس والعطور والاحذية والحجاب والنقاب، وكانت (ظاهرة) تغافل عنها علماء الاجتماع (السسيولوجيا) لكنها ارتبطت بظهور الجماعات الاسلامية في المنيا دون شك ودخل الحجاب جامعة المنيا ولم تكن (موضة) قدر ما كانت (توجه) بالفعل. وتكسير صيدليات ومحلات الذهب في ابو قرقاص والمدينة (صيدلية ثروت - حي شاهين) مثلا.
لم يكن لجماعة الإخوان المسلمين قوة تحسب لهم في هذه الفترة في المنيا – قد يعملون في الخفاء وتحت الارض لكن الظهور والمواجهة المسلحة والمد الفكري وتوغله كان للجماعات الاسلامية واسماء يذكرها شعب المنيا جيدا.
كل هذا حدث بسبب الفقر وقلة الوعي وانتشار الافكار الظلامية التي حرمت الفن والفكر والتوجه اليساري؛ واعمال العقل ورفض التبعية الدينية فكانت الصدامات اكثر عنفا وتكفير لأصحاب الابداع لدرجة ملاحقاتهم في محافلهم في قصر الثقافة وحزب التجمع وجمعية الجيزويت (الآباء اليسوعيين) ومنع المسرح والعروض المسرحية في جامعة المنيا (مسرحية منين اجيب ناس) إخراج حسن رشدي.
المؤسف أن بعض الطلاب غير أعضاء الجماعات الدينية كانوا يستسلمون تماما، والقليل منهم من دافع واستبسل وقاوم بحماية حرس الجامعة من دون فكر المقاومة والتصدي والنضال بشرف المواجهة وقيمة الايديولوجيا – بمعنى ان تتبني فكر وتواجه فكر آخر شرط الا تختبئ خلف الأمن .
ما صنعه التيار الديني في الشارع المصري والشارع المنياوي تحديدا أكثر تأثيرا وقوة من كل الافكار المستنيرة لدى الاحزاب والكيانات الثقافية والسياسية والجمعيات المدنية ويحتاج الى سنوات لتغيير افكار ومفاهيم تسيدت ودخلت بيوت الفقراء والبسطاء وطلبة الجامعات ومراكز الشباب وبعض المؤسسات وهكذا.
إنها معركة الوعي التي لابد ان تسود وتنتصر إذا كانت لدينا النية الحقيقية في تغيير المجتمع ومقاومة الارهاب ليس بالسلاح والرصاص فقط.
هذه روايتي لأحداث عايشتها واشهد لها حتى الان في مدينتي الجميلة عروس الصعيد التي انجبت طه حسين واحمد رشدي صالح والشيخان على عبد الرازق ومصطفى عبد الرازق ولويس عوض وآل الشاروني والفنانين: الشريعي وسناء جميل والعديد من الرموز والشخصيات العامة ومازالت تعاني من الارهاب الفكري وتصدير الافكار التي تهدم اي مجتمع يحاول الترقي والنهوض فيصاب بالانتكاسة والتراجع كما قال ت س اليوت (نحن نتقدم تقدما باهرا نحو الخلف).
لم نزل نحلم بنهضة سياحية وثورة فكرية ورغبة في تغيير بعض المفاهيم التي تسيدت وتأصلت للأسف الشديد بين أهالينا وشبابنا من الجيل الجديد الذي لا يعرف شيء عن المنيا غير القليل النادر رغم مركز الاعلام بالمدينة وهيئة الاستعلامات بالمحافظة - الجميع لا يعترف بالتقصير وهذه هي آفة تلك البلاد.