مَن يحكم الانترنت؟ إجابات بارعة عن سؤال مخيف
لندن
لوتسنى لمؤلفي هذا الكتاب إعادة كتابته من جديد لانطلقا من "الحرب الباردة بين غوغل والصين"!
ومع أنهما خصصا فصلا كاملا لواقع الانترنت في الصين، لكن دلالات وتداعيات الحرب الالكترونية المتصاعدة اليوم تمنحهما معادلاً تحليلياً لاثبات الفرضية التي سعيا اليها ببراعة مذهلة.
لقد انتهت الحرب الباردة لكن البعض يرى ان قرار غوغل، في تحدي الصين يسجل حقبة جديدة حيث تقوم شركة ناشطة في العالم الافتراضي بتحدي دولة.
ويقول فرانسيس بيزاني الصحافي الفرنسي الذي يعمل في كاليفورنيا ويتابع تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مدونة "ترانسنتس"، "اشعر بان اغلاق واجهة غوغل الصينية (غوغل.سي ان) تؤكد رغبة غوغل في اللعب في ملعب الكبار".
ويضيف في حديثه لوكالة الصحافة الفرنسية ان "جسامة الامر تتأتى من واقع ان شركة خاصة من العالم الافتراضي تتحدى علانية ومن خلال الافعال واحدة من اقوى حكومات العالم الواقعي".
واعلنت غوغل انها ستنهي عملية الرقابة الذاتية التي كانت تمارسها على واجهتها باللغة الصينية وستحول المتصفحين الى صفحة هونغ كونغ بعد ان كانت قد اعلنت انها تتعرض لهجمات معلوماتية بهدف كشف رموزها السرية والاستحواذ على البريد الالكتروني لناشطين صينيين في مجال حقوق الانسان.
في هذا السياق، يتخذ قرار غوغل بعدا فريدا، في حين تزداد حدة التوتر التجاري بين الغرب الذي يعاني من ازمة والصين التي تواصل تحقيق معدلات نمو مرتفعة.
ولكن تعاظم قوة غوغل يشكل مدعاة للقلق في الوقت نفسه، فالبعض في الغرب يصفها بانها تلعب دور "الاخ الاكبر" التجاري ويبدون سرورا لفشلها في الصين.
السلطة والعولمة
ومهما يكن من أمر، نحن أمام كتاب "من يحكم الانترنت؟ أوهام عالم بلا حدود" يكتفي بمتنه بامتياز قل نظيره، الامر الذي جعله يتصدر أهم الاصدرات لاكثر من عام ومازال يشكل مصدرا لاغنى عنه.
![]() |
||
| غلاف الكتاب بالانكليزية | ||
أما المؤلفان جاك جولدسميث وتيم وو، فهما من بين علماء القانون الأكثر إبداعا في جيلهم، يعرضان في هذا الكتاب بهدوء وروية وعقلانية موحية تشد المتلقي العادي والمتخصص في آن واحد، ولايتعاطفان مع الرومانسية المجردة في النظر الى السلطة والعولمة تجاه الفضاء الالكتروني.
جاك جولدسميث أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب صدر مؤخرا عن حدود القانون الدولي. وكان مساعد المدعي العام السابق في مكتب المستشار القانوني لوزارة العدل، والمستشار الخاص للمستشار العام لوزارة الدفاع.
أما تيم وو فهو أستاذ القانون في كلية الحقوق في جامعة كولومبيا ، وعمل سابقا في شبكة الإنترنت صناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية في وادي السليكون.
ووفقا لهذا الكتاب، فأن القوانين الوطنية والتقاليد والجمارك لا تقل أهمية عن السيطرة على الفضاء الالكتروني كما هي الحال في الفضاء الحقيقي، أذ يرى الكاتبان أن التحكم بمركزية الانترنت تشجع على الحرية والتنوع وتقرير المصير عندما يتم الجمع بين الواقعية والمثالية في التقاليد السائدة بحكم الإنترنت.
فالكثير من المجددين وأصحاب الرؤى بشان الانترنت ممن قابلهما المؤلفان، يعتقدون ان المجتمعات على الانترنت مثل "إيباي" يمكنها أن تحكم نفسها من غير تدخل من السلطات التقليدية، لكنهم تغاضوا عن أهمية دور الحكومة في تقديم السلع العامة للافراد والاعمال الخاصة.
ويبرر جولدسميث و تيم وو ذلك بقولما "أن المجموعات الخاصة مثل إيباي وعملائها تحتاج الى الحكومة لحماية مجتمعاتها من المجرمين والمخالين للقانون. وهي أيضا بحاجة الى القوانين والحكومة لأمر آخر وهو: تشريع ودعم الأسواق التي ساعدت إيباي على جني المليارات والتوسع في أعمالها، وتدعيم قوانين حماية العلامات التجارية...".
ولا يكتفيان بعرض الجانب اللطيف للحكومة، عندما يقولان أن الحكومة ليست ضامن محب وعطوف كبير يعمل للصالح العام، وتقوم بالامر الصحيح دائما، فمقابل الفوضى التي واجهت إيباي نجد سوء استغلال من قوى الحكومة.
![]() |
||
| جاك جولدسميث | ||
يرينا الكاتبان جولدسميث و تيم وو كيف يمكن للحكومة فرض سيطرتها على الانترنت، وإن أي حكومة تمارس القمع يمكنها السيطرة على الانترنت، بالطبع الامور تكون أفضل في ظل نظام ديمقراطي يتمتع بحرية الصحافة والتعبير وقضاء مستقل وانتخابات نزيهة.
لكن حتى الحكومات الديمقراطية تعاني من مشكلات خطيرة فيما يتعلق بالانترنت، فهناك خطر أن تتمادى الحكومة في السيطرة على الانترنت والحريات الشخصية، فيمكنها تغليف العقوبات على بعض السلوكيات مثلما يعتقد الكثيرون انها فعلت في التعامل مع تعاطي المخدرات، وربما تقوم بالافراط في حماية حقوق الملكية الفكرية، مما يؤثر سلباً في الابداع.
تناول هذا الكتاب ثلاثة أسباب أدت الى تحول ما أسمياه المؤلفان جاك جولدسميث وتيم وو، الشبكة العالمية الى مجموعة من شبكات الدول القومية، شبكات مازالت مرتبطة ببروتوكول الانترنت، لكنها منفصلة لاسباب كثيرة، أولا، الناس في دول مختلفة تميل للقراءة والكتابة بلغات مختلفة ولديهم خلفيات وقدرات وتفضيلات ورغبات مختلفة. وهذا يعكس اختلافات محلية في التاريخ والحضارة والجغرافيا والثروة.
الحدود الوطنية
هل الإنترنت يمحو الحدود الوطنية؟ ومن يصنع مستقبلا صافيا يتم من قبل مهندسي الإنترنت والمبرمجين، ومنظمة الأمم المتحدة، أو الدول القوية؟ من هو حقا يتعين عليه السيطرة على ما يحدث على الشبكة؟
مثل هذا الاسئلة الاستفزازية الجديدة، جاك غولدسميث وتيم وو، يحكيان قصة رائعة في كتابهما من تحدي الإنترنت لحكم الحكومات في عام 1990، والمعارك التي تلت ذلك مع الحكومات في جميع أنحاء العالم. انه كتاب عن مصير فكرة واحدة: أن شبكة الإنترنت قد تحررنا من الحكومة والحدود إلى الأبد، وحتى هوياتنا المادية. ونحن نعلم صراع غوغل مع الحكومة الفرنسية واستسلام ياهو إلى النظام الصيني، وكيف أن الاتحاد الأوروبي يضع معايير الخصوصية على شبكة الإنترنت للعالم أجمع ، وعلى موقع "أي باي" للصراعات مع الاحتيال، وكيف تعلم ببطء مكتب التحقيقات الفدرالي لاعادة الثقة في التعامل مع الجرائم الالكترونية.
وكيف ان الحكومات تؤكد مرارا مرة بعد أخرى سعيها لتوجيه مستقبل الإنترنت. ووضع مصيره بيدها على مدى العقود المقبلة، وهنا يحاول المؤلفان تناول مصالح الدول القوية والصراعات داخل الدول نفسها وفيما بينها حول الشبكة العالمية بعيدا عن تدميرها.
وأدت تجربة السنوات العشر الماضية في الانترنت إلى إعادة اكتشاف هادئة لبعض أقدم وظائف ومبررات لحكومة الإقليم. وقد ثبت أنه من الصعب أن تحل محل الحكومات الشرعية.
![]() |
||
| تيم وو | ||
كذلك يغطي غولدسميث ووو مجموعة واسعة من الخلافات، من النزاعات حول تسمية المواقع على الانترنت وحتى المواقع الاباحية ومواقع المقامرة ومواقع المعارضة السياسية، الأمر الذي يجعل هذا الكتاب الأهم خلال السنوات الماضية.
لهذه الاسباب، بدا أن الانترنت في تسعينات القرن العشرين حطمت الانسجام التاريخي بين السلوك الفردي والسلطة الحكومية، وكان بعض المحللين متفائلين بهذا التطور، ولكن انزعج كثيرون غيرهم، ففي خضم محنة ياهو مع فرنسا "التي يتناولها المؤلفان في فصل كامل"، كتب بول كروجمان عموداً في صحيفة نيويورك تايمز عن موضوع تهديد الانترنت، لحقوق الملكية الفكرية وقوانين الضرائب التقليدية، حيث قال محذرا "أن تقنية الانترنت تزيل الحدود وتقوض السلطة الحكومية، هناك شي خطير ومقلق يحدث، ولم أسمع أية افكار جيدة حول ما نفعله في هذا الشأن".
وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي كان هناك اتفاق عام أن تحدي الانترنت للسلطات الحكومية سيقلل من أهمية الدولة القومية.
يقول نيكولاس نيغروبونتي المؤسس المشارك ومدير مختبر الوسائط المتعددة بمعهد ما ساتشوسيتس للتقنية "لا تتعلق المسألة بعدم أهمية القوانين، بل بعدم أهمية الدولة القومية" وخلص الى نتيجة مفادها أنه "لا يمكن التحكم بالانترنت".
ويبدو ان مؤلفي هذا الكتاب الذي ترجمته بامتياز فاطمة غنيم وصدر عن مشروع كلمة في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، سيجدان ما يمكن تداراكه في دعوة تيم بيرنرز لي مكتشف (الويب) للحفاظ على عالميته.
فقد حذر بيرنرز لي من ان مواقع التواصل الاجتماعي تمثل واحدة من عدة تهديدات لمستقبل الإنترنت في جميع أنحاء العالم، لانها لا تسمح لمستخدميها بتمرير المعلومات التي يضعوها على تلك المواقع الى مواقع أخرى، إنما تضع هؤلاء المستخدمين في "مشكلة" تفتت شبكة الانترنت الى "جزر مبعثرة".
وبدأت فكرة الويب على ان كل شيء مفتوح على بعضه الا اذا كان بهدف الاشتراك في خدمة معينة "مثل صحيفة او قاعدة بيانات مكتبية".
وكسر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" هذه القاعدة بشكل كبير باستقطابه 620 مليون مستخدم، هم عمليا خلف اسوار رقمية لا يمكن لبقية الانترنت اختراقها، كما ان المستخدمين لا يسمح بعضهم لبعض ان يتداخلوا معلوماتياً فيما بينهم.
وأصبحت الانترنت مجرد بنية تحتية لعدد كبير من التطبيقات بعدما كان الويب/المتصفح هو التطبيق الاساس.
وأكد تيم بيرنرز لي ان الويب تطور ليصبح أداة قوية في كل مكان لأنه بني على مبادئ المساواة، معبراًعن خشيته بتلاشي هذا التنوع عبر تهديده بطرق مختلفة.
وشبه الامر في احتجاز متسوق بمخزن واحد مقفل الجدران بدلاً من أن يكون في سوق مفتوحة.
ومهما يكن ن أمر فأن السؤال المخيف الذي يطلقه هذا الكتاب "مَن يحكم الانترنت؟" أشبه بالرهبة التي يولدها تخيل كم المعلومات التي تحفظها خوادم "سيرفرات" محركات البحث، لكن الاجابة في متن هذا الكتاب تأتي بامتياز قل نظيره.


