نجاة الصغيرة تتوج بجائزة الشيخ زايد للكتاب في تكريم استثنائي
القاهرة ـ تُوِّجت الفنانة المصرية القديرة نجاة الصغيرة بجائزة 'شخصية العام الثقافية' ضمن الدورة العشرين من جائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026، في إنجاز استثنائي يُرسّخ اسمها كأول مطربة في تاريخ الجائزة تنال هذا اللقب الرفيع. ويعكس هذا التكريم تقديرا عميقا لمسيرتها الفنية الطويلة، التي امتدت لعقود وأسهمت خلالها في تشكيل وجدان الأغنية العربية الحديثة، وترسيخ حضورها الثقافي والجمالي.
وبحسب البيان الصادر عن الحساب الرسمي للجائزة عبر منصة إنستغرام، جاء اختيار نجاة الصغيرة تقديرا لمكانتها بوصفها إحدى أبرز القامات الغنائية في العالم العربي، إذ تميزت بصوتها الدافئ وأدائها الوجداني الراقي، ما مكّنها من تأسيس مدرسة فنية متفردة في الغناء العربي. وقد نجحت عبر هذا الأسلوب في تقديم نموذج راقٍ للأغنية الكلاسيكية الحديثة، التي تجمع بين جمال اللحن وسمو الكلمة وصدق التعبير.
وأشار البيان إلى الدور البارز الذي اضطلعت به نجاة في غناء القصائد الشعرية، حيث استطاعت أن تنقل النصوص الأدبية إلى فضاء الغناء، فتجعل منها أعمالا خالدة تتردد في الذاكرة العربية.
وأسهم هذا التوجه في تعزيز حضور اللغة العربية في وجدان الجمهور، وترسيخ محبتها لدى أجيال متعاقبة، في وقت كانت فيه الأغنية تشهد تحولات متسارعة. كما خلّفت إرثا فنيا غنيا لا يزال حيا في الذاكرة الجمعية، ويُعد مرجعا مهما في تاريخ الموسيقى العربية.
ويحمل هذا التتويج بُعدا رمزيا خاصا، إذ يجعل من نجاة الصغيرة أول مغنية تحصد هذا اللقب منذ انطلاق الجائزة، وثالث شخصية مصرية تنال هذا التكريم، بعد عمر خيرت عام 2023، وأحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف عام 2013. ويؤكد ذلك على مكانتها الاستثنائية ليس فقط في المجال الفني، بل أيضًا في الحقل الثقافي الأوسع.
وقد لقي هذا الإنجاز إشادة واسعة من الأوساط الفنية والثقافية، حيث تقدّم اتحاد النقابات الفنية، برئاسة عمر عبد العزيز، ونقاباته الثلاث، بتهنئة رسمية للفنانة الكبيرة، مؤكدين أن هذا التكريم يمثل اعترافا مستحقا بإسهاماتها الثرية في إثراء المشهد الثقافي والموسيقي العربي. كما شددوا على أن نجاة الصغيرة تُعد واحدة من أبرز رموز الفن العربي، لما قدمته من أعمال متميزة جمعت بين عذوبة الأداء ورقي الكلمة.
وأكد البيان أن مسيرة نجاة لم تقتصر على الغناء التقليدي، بل تميزت باهتمامها الخاص بالقصيدة المغنّاة، حيث قدّمت عددًا كبيرًا من الأعمال التي استندت إلى نصوص شعرية لكبار الشعراء العرب، وأسهمت من خلالها في ترسيخ هذا اللون الغنائي وتعزيزه في الذاكرة الثقافية.
وقد شكّل هذا التوجه أحد أبرز ملامح مشروعها الفني، الذي جمع بين الطرب الأصيل والبعد الثقافي العميق.
كما يُعد هذا التكريم اعترافا بدورها في تشكيل الذائقة الفنية العربية، إذ استطاعت أن تؤسس لنمط غنائي قائم على الإحساس الصادق والتعبير الرقيق، بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض. وقد مكّنها ذلك من الحفاظ على مكانتها عبر الزمن، لتظل واحدة من الأصوات الأكثر تأثيرًا في تاريخ الغناء العربي.
وإلى جانب مسيرتها الغنائية، كان لنجاة الصغيرة حضور لافت في السينما، حيث شاركت في بطولة عدد من الأفلام التي تركت بصمة مميزة، من أبرزها الشموع السوداء، الذي يُعد من كلاسيكيات السينما العربية. وقد ساهمت هذه التجربة في توسيع نطاق تأثيرها الفني، ومنحتها بعدًا إضافيًا في مسيرتها الإبداعية.
وعلى مستوى التعاونات الفنية، عملت نجاة مع نخبة من كبار الملحنين في العالم العربي، من بينهم محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وبليغ حمدي، وسيد مكاوي، وكمال الطويل، ومحمد الموجي، كما تغنّت بأشعار عدد من كبار الشعراء مثل نزار قباني وعبد الرحمن الأبنودي، وهو ما أسهم في إثراء تجربتها الفنية ومنحها عمقًا أدبيًا مميزًا.
ومن المقرر أن يتم تكريم نجاة الصغيرة خلال حفل رسمي، حيث تُمنح ميدالية ذهبية وشهادة تقدير، إلى جانب جائزة مالية قدرها مليون درهم إماراتي، وذلك بالتزامن مع احتفال الجائزة بمرور عشرين عامًا على تأسيسها. ويأتي هذا الحدث في إطار برنامج دولي حافل يعكس الطابع العالمي للجائزة، ويؤكد دورها في دعم الإبداع وتعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب.
وقد شهدت الدورة العشرون مشاركة واسعة تجاوزت 4000 ترشيح من 74 دولة، في مؤشر واضح على المكانة المرموقة التي باتت تحتلها الجائزة على الساحة الثقافية الدولية. وتعكس هذه الأرقام حجم التأثير الذي تمارسه في دعم الإنتاج الفكري والإبداعي، وترسيخ حضور الأدب العربي عالميًا، بما يعزز من القوة الناعمة الثقافية.
وتُعد جائزة الشيخ زايد للكتاب واحدة من أبرز الجوائز الثقافية المستقلة في العالم العربي، إذ استقطبت منذ انطلاقها أكثر من 33 ألف مشاركة من نحو 80 دولة، وكرّمت 136 فائزا وفائزة من الأدباء والمفكرين والباحثين. كما شهدت توسعًا في فئاتها التي باتت تشمل عشرة مجالات رئيسية، تغطي مختلف أوجه الإبداع الثقافي.
في ضوء هذا المشهد، يكتسب تتويج نجاة الصغيرة دلالة خاصة، إذ يجمع بين الفن والثقافة في لحظة تكريم واحدة، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدودًا بين المجالات. فكما أسهمت الجائزة في دعم الكلمة والفكر، جاءت نجاة الصغيرة لتجسد قوة الصوت في التعبير عن الهوية والوجدان، لتلتقي المسيرتان في تكريس صورة مشرقة للإبداع العربي في أبهى تجلياته.