نشيد وطني جديد يثير غضب السوريين.. مخالف للقانون
دمشق - أثار إعلان وزارة الثقافة السورية عن مسابقة لتلحين النشيد الوطني السوري، بعد اختيار سبعة نصوص شعرية، موجة واسعة من الانتقادات والاستياء الشعبي. خاصة بعد أن كشفت النتائج عن اختيار نص شعري شارك في تأليفه وزير الثقافة الحالي، محمد ياسين صالح، بالاشتراك مع مدير مديريات الثقافة والمراكز الثقافية في الوزارة أنس الدغيم.
وأعلنت الوزارة أنها قدمت نصوصاً للجنة مختصة، وأوضحت أن الأخيرة اختارت 7 نصوص منها،
خضعت لما وصفته بـ "المعايير اللغوية والعلمية المعتمدة"، ليصار إلى اعتماد أحدها في مرحلة لاحقة، لكن الكثيرين اعتبروا أن هذه الخطوة غير قانونية وتحتاج رأي البرلمان.
وكانت المفاجأة بوجود اسم الوزير محمد ياسين صالح ضمن القائمة النهائية، مما وضع الوزارة في مواجهة اتهامات مباشرة بـ "تضارب المصالح".
وتفاقم الجدل حول ما إذا كان هذا الاختيار يمثل تضارباً في المصالح أم استحقاقاً أدبياً خالصاً. واعتبر ناشطون أن مشاركة الوزير ومديره في المسابقة بمثابة فضيحة، إذ أصبح صالح حكما وخصما في مسابقة رسمية هي أصلا مخالفة للدستور.
وقال الصحافي ماهر الحمدان في منشور على حسابه على اكس، أنه "لا يجوز الشروع في إعداد أو اعتماد نشيد وطني جديد خارج الإطار الدستوري الناظم. فالنشيد الوطني يُعد أحد الرموز السيادية للدولة، ولا يمكن المساس به أو تعديله إلا من خلال مسار تشريعي واضح ينسجم مع أحكام الإعلان الدستوري. وعليه، فإن أي مبادرة تهدف إلى اختيار أو اعتماد نشيد وطني يجب أن تظل ضمن حدود الاقتراح غير الملزم، دون أن تتحول إلى مسار فعلي لاتخاذ قرار نهائي. إذ إن اعتماد النشيد هو اختصاص حصري للسلطة التشريعية، ويجب أن يتم عبر إعداد مشروع قانون، يُعرض على مجلس الشعب، ويُقر وفق الأصول الدستورية، بما يضمن احترام الإرادة الشعبية وصون رمزية الدولة.
وقدم الناشط الحقوقي المعتصم الكيلاني رأياً قانونياً بشأن الإجراءات المتعلقة باقتراح واعتماد نشيد وطني جديد في ضوء الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025.
وقال أن هذا الإجراء يثير إشكالية قانونية جوهرية تتعلق بمدى توافقه مع أحكام الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 ومبدأ الشرعية الدستورية الذي يحكم ممارسة السلطات العامة لصلاحياتها.
ويترتب على النص الدستوري "إن النشيد الوطني يعد من الرموز السيادية للدولة، شأنه شأن العلم والشعار، إن تحديد النشيد الوطني أو تغييره أو اعتماده لا يتم بقرار إداري أو تنظيمي، بل بقانون، وإن عبارة 'بقانون' تعني صدور نص تشريعي وفق الإجراءات الدستورية المقررة لممارسة السلطة التشريعية".
ونوه أنه يجب ضرورة الالتزام الصارم بنص الإعلان الدستوري في كل ما يتعلق بالرموز السيادية للدولة، حصر أي مبادرات ثقافية في إطار الاقتراح والاستشارة دون إعطائها طابعاً تقريرياً، وفي حال وجود توجه لاعتماد نشيد وطني جديد، يجب أن يتم ذلك عبر "إعداد مشروع قانون، عرضه على السلطة التشريعية المختصة، وإقراره وفق الإجراءات الدستورية."
وفي ظل هذا الجدل، برز إجماع شعبي وثقافي يرى أن "كل ما كُتب" من نصوص لا يرقى لمستوى قامة الشاعر الراحل عمر أبو ريشة. حيث اعتبر ناشطون ومثقفون أن البحث عن نشيد جديد هو محاولة "لتجاوز رمزية وطنية راسخة"، مؤكدين أن نشيد "في سبيل المجد" هو الأنسب والأجدر بأن يكون النشيد الرسمي للدولة.
ويؤكد الشارع السوري، الذي اعتمد "في سبيل المجد" كنشيد وطني طوال سنين الثورة، أن هذا النص اكتسب شرعيته من التضحيات والساحات، ولا يحتاج لمسابقات وزارية يشارك فيها المسؤولون بصفة مؤلفين. ويرى مراقبون أن الإصرار على تغيير النشيد بعيداً عن هذا الخيار الشعبي، يكرس فجوة بين المؤسسة الرسمية والوجدان الجمعي للسوريين.
ورأى الصحافي السوري محيي الدين اللاذقاني، أن "النشيد الوطني ليس لعبة أولاد، هذا إرث وطني جامع للهوية الوطنية السورية، وطموحات الشعب السوري، وقد اطلعت على النصوص السبعة التي اختارتها وزارة الثقافة، وتطلب الآن ملحناً لها عبر مسابقة عامة، وللأمانة، ودون شخصنة كلها نصوص ركيكة، ولا ترقى إلى مستوى كلمات نشيد "في سبيل المجد" للشاعر الكبير عمر أبي ريشة، وبما أن الشعب السوري بعد أن عانى ما عاناه من "حماة الديار" لا يمكن أن يقبل باستمرار ذلك النشيد، لذا من الأفضل الإبقاء على قصيدة "في سبيل المجد" لأبي ريشة كنشيد وطني مرحلي إلى أن تستقر أوضاع البلد، ويكون هناك ظرف مناسب لاختيار ما يناسب العصر الجديد، والجيل الجديد".
يذكر أن النشيد السوري الذي كان معتمدا حتى سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد هو "حماة الديار"، وقد تم إقراره رسمياً عام 1936. فيما كتبه الشاعر خليل مردم بك ولحنه الأخوان اللبنانيان محمد فليفل وأحمد فليفل. أما نشيد في سبيل المجد، فكتبه الشاعر عمر أبو ريشة، ولحنه إياد الريماوي بعد سقوط الأسد.
ومن كلمات النص الذي رأى عدد من السوريين خلال الأشهر الماضية، أنه الأنسب ليكون نشيداً جديداً للبلاد "في سبيل المجد والأوطان نحيا ونبيد.. كلنا ذو همة شماء جبار عنيد. لا يطيق السادة الأحرار أطواق الحديد.. إن عيش الذل والإرهاق أولى بالعبيد".