نقص الجنود والذخائر يزيد الضغط على الجيش الإسرائيلي

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يشكو من عجز في عدد القوات مع تعدد جبهات القتال ويحذّر من أن الجيش يتجه نحو الانهيار ولن يصمد.

القدس المحتلة - في تطور لافت يعكس حجم الضغوط المتراكمة على المؤسسة العسكرية، أقرّ الجيش الإسرائيلي بوجود عجز يناهز 15 ألف جندي، بينهم ما بين 7 و8 آلاف مقاتل، في وقت تتسع فيه رقعة العمليات على جبهات متعددة، من غزة إلى لبنان مروراً بالضفة الغربية وسوريا وصولا إلى إيران.

وهذا الإقرار الذي جاء على لسان المتحدث العسكري، لا يمكن فصله عن مؤشرات أخرى ظهرت مؤخراً، من بينها الحديث عن نقص في الصواريخ الاعتراضية، ولجوء الجيش إلى استخدام ذخائر قديمة في عملياته، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق في دلالات هذا المشهد المركّب.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عبرية، فإن الجيش الإسرائيلي يواجه تحدياً متزايداً في تلبية متطلبات الانتشار العسكري، في ظل استمرار العمليات منذ أواخر فبراير/شباط، وتصاعد المواجهة مع إيران وحلفائها. وقد حذّر رئيس الأركان أيال زامير من مخاطر "الانهيار من الداخل" نتيجة الضغط العملياتي المتواصل، في إشارة تعكس حجم التآكل الذي قد يصيب البنية البشرية للجيش في حال استمرار الوضع الراهن دون حلول جذرية.

وخلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر (الكابينت)، أكد زامير أن قوات الاحتياط "لن تصمد" إذا لم تبادر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل تنظيم التجنيد وتعديل القوانين ذات الصلة، منتقدا تأخر الحكومة في إقرار تشريعات حيوية، أبرزها قانون تجنيد المتدينين (الحريديم)، إلى جانب عدم تعديل قانون الاحتياط أو تمديد مدة الخدمة الإلزامية، معتبراً أن هذه العوامل تسهم بشكل مباشر في تعميق الأزمة داخل المؤسسة العسكرية. وللتدليل على خطورة الوضع، أشار إلى رفع "10 أعلام حمراء"، في إشارة إلى حجم التحديات المتزايدة التي تواجه الجيش.

وأوضح أن الطلب على القوات في تزايد مستمر، خاصة مع انخراط الجيش في عدة جبهات نشطة تشمل قطاع غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية. كما لفت إلى أن تصاعد "العنف القومي" في الضفة الغربية أجبر الجيش على تحويل وحدات إضافية إلى هناك، بالتزامن مع قرارات حكومية بتوسيع البؤر الاستيطانية، ما يضاعف الضغط على القوات ويؤثر على جاهزيتها.

وحذّر زامير من أن الجيش قد يفقد قريباً قدرته على تنفيذ مهامه حتى في الظروف الاعتيادية، إذا استمر الوضع على حاله، ما ينذر بتراجع خطير في الجاهزية العسكرية. وتأتي هذه التحذيرات في ظل تصعيد ميداني متواصل وتحديات داخلية تتعلق بتنظيم التجنيد، ما يضع الجيش أمام معادلة معقدة بين متطلبات العمليات والقيود القانونية والسياسية.

والعجز المعلن لا يبدو مجرد رقم تقني يمكن تعويضه بسهولة، بل يعكس أزمة بنيوية تتعلق بقدرة الجيش على الاستمرار في إدارة حرب متعددة الجبهات، فالحروب الحديثة، رغم اعتمادها على التكنولوجيا، لا تزال تحتاج إلى كتلة بشرية كافية للحفاظ على الجاهزية والسيطرة الميدانية. ومع اتساع مسارح العمليات، يصبح النقص في القوات عاملاً ضاغطاً يحدّ من الخيارات العسكرية ويؤثر على وتيرة العمليات.

ويبرز الجدل حول قانون تجنيد 'الحريديم' كأحد أبرز مظاهر الأزمة الداخلية، إذ تسعى المؤسسة العسكرية إلى توسيع قاعدة التجنيد لسد العجز، بينما ترفض الأحزاب الدينية ذلك بشدة، ما يعكس تصدعاً سياسياً ينعكس مباشرة على الجاهزية العسكرية.

ويتقاطع هذا النقص البشري مع مؤشرات أخرى على ضغط الموارد العسكرية، أبرزها التقارير عن نقص في الصواريخ الاعتراضية، وهي عنصر حاسم في منظومات الدفاع الجوي، خاصة في ظل الهجمات المكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. كما أن استخدام ذخائر قديمة، بعضها غير دقيق ومخزن منذ عقود، يضيف طبقة جديدة من التساؤلات حول حالة المخزون العسكري.

ورغم أن الجيش برر استخدام هذه الذخائر برغبة في تقليل التكاليف وإدارة المخزون، إلا أن التزامن بين هذه الخطوة ونقص بعض الأنظمة المتقدمة يعزز فرضية وجود ضغوط حقيقية، تدفع نحو إعادة ترتيب الأولويات في استخدام الموارد، فالحروب الممتدة لا تُقاس فقط بقدرة الضربة الأولى، بل بقدرة الاستمرار، وهو ما يبدو أنه بات تحدياً متزايداً.

ومن الناحية الميدانية، قد يؤدي النقص في القوات والذخائر المتطورة إلى تراجع في دقة العمليات وفعاليتها، وربما زيادة الاعتماد على خيارات أقل كفاءة. كما أن تعدد الجبهات يفرض توزيعاً مرهقاً للقوات، ما قد يخلق ثغرات في بعض المناطق أو يبطئ من وتيرة الاستجابة للتهديدات.

أما سياسياً، فإن الكشف عن هذه المعطيات، سواء بشكل رسمي أو عبر تسريبات إعلامية، يبعث برسائل مزدوجة، فمن جهة، قد يُستخدم داخلياً للضغط باتجاه إقرار سياسات تجنيد جديدة، ومن جهة أخرى، قد يُقرأ خارجياً كمؤشر على حجم الاستنزاف الذي يواجهه الجيش الاسرائيلي، ما قد يشجع الخصوم على مواصلة الضغط.

ولا يمكن اعتبار هذه المؤشرات دليلاً قاطعاً على تراجع حاسم في القدرات العسكرية الإسرائيلية، لكنها بلا شك تعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل العوامل البشرية واللوجستية والسياسية في رسم ملامح المواجهة، فالحرب الدائرة لم تعد مجرد تبادل ضربات، بل تحولت إلى اختبار طويل لقدرة الأطراف على الصمود وإدارة الموارد تحت الضغط. ويبدو أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تحقيق التفوق الميداني، بل في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية واستدامة القدرة العسكرية، في مواجهة صراع مفتوح على كل الاحتمالات.