هجمات الفصائل العراقية تضع بغداد على حافة صراع إقليمي

انخراط الفصائل العراقية الموالية لطهران في الحرب يفتح جبهة ضغط إضافية ويحوّل العراق إلى ساحة رسائل عسكرية متبادلة، ما يزيد احتمالات اتساع رقعة الحرب إقليمياً.

بغداد - أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق الأحد تنفيذ 23 هجوماً بطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أميركية داخل العراق وخارجه منذ ساعات الفجر، في تصعيد ميداني لافت يتزامن مع الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

واستخدمت في الهجمات عشرات المسيّرات لضرب ما وصفتها الفصائل بـ"قواعد العدو" في العراق والمنطقة، في خطوة تشير إلى انتقال المواجهة الإقليمية إلى ساحة عراقية شديدة الحساسية.

ميدانياً، أفاد مصدر أمني بسماع دوي انفجارات في أربيل عاصمة إقليم كردستان، بالتزامن مع إعلان جماعة سرايا أولياء الدم مسؤوليتها عن هجوم بطائرات مسيّرة استهدف مواقع عسكرية أميركية هناك. ويعكس تزامن هذه الضربات مع التصعيد الإقليمي مؤشراً على تنسيق عملياتي أو على الأقل توافق توقيتي بين الفصائل المسلحة ومحور طهران، خصوصاً بعد الضربات الواسعة التي استهدفت قيادات إيرانية بارزة، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي وقادة في الحرس الثوري الإيراني.

ويرى محللون أن انخراط الفصائل العراقية الموالية لطهران يفتح جبهة ضغط إضافية على القوات الأميركية، ويحوّل العراق إلى ساحة رسائل عسكرية متبادلة، ما يزيد احتمالات اتساع رقعة الحرب إقليمياً، فهذه الهجمات لا تحمل بعداً تكتيكياً فقط، بل رسالة سياسية مفادها أن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها.

ومع ذلك، فإن هذا التصعيد يضع بغداد في موقف معقد، إذ تجد نفسها بين التزاماتها الدبلوماسية ورغبتها في تجنب الانزلاق إلى صراع مفتوح، وبين وجود جماعات مسلحة تمتلك قرار التحرك العسكري خارج سيطرة الدولة الكاملة.

أما اقتصادياً وأمنياً، فقد يفاقم التصعيد هشاشة الوضع الداخلي العراقي، حيث تعاني البلاد أصلاً من جمود سياسي وأزمات مالية وخدمية مزمنة، فاستمرار الهجمات قد يدفع واشنطن إلى الرد المباشر على مواقع الفصائل داخل العراق، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الداخلي، إذ قد يؤدي إلى موجة تصعيد متبادل على الأراضي العراقية نفسها، ويعيد البلاد إلى أجواء الصراع المسلح التي شهدتها في سنوات سابقة.

ويرجح خبراء أمنيون أن الولايات المتحدة قد تتبع استراتيجية "الرد المحدود" عبر ضربات دقيقة تستهدف منصات إطلاق المسيّرات أو مخازن السلاح، لتفادي الانجرار إلى مواجهة شاملة مع الفصائل، وفي الوقت ذاته الحفاظ على قوة الردع.

لكن نجاح هذا النهج يبقى مرهوناً بقدرة واشنطن على ضبط إيقاع ردودها ومنع توسعها، وبقدرة الحكومة العراقية على احتواء الفصائل ومنع استخدامها الأراضي العراقية كساحة تصفية حسابات إقليمية.

وتبدو الهجمات الأخيرة مؤشراً مبكراً على خطر تمدد الحرب إلى مسارح جديدة، حيث يتحول العراق تدريجياً إلى نقطة تماس غير مباشرة بين القوى المتصارعة. وإذا استمر التصعيد دون مسار سياسي موازٍ، فقد تجد المنطقة نفسها أمام سلسلة تفاعلات متشابكة تجعل من أي حادث محدود شرارةً لتصعيد أوسع، في مشهد يشبه رقعة دومينو جيوسياسية قد تتساقط قطعها تباعاً ما لم يُكبح اندفاعها سريعاً.