واشنطن ولندن تتحركان لإجلاء رعاياهما من الشرق الأوسط

بين تأكيدات رسمية بعدم وجود خطط انسحاب شامل وإجراءات عملية لتأمين مغادرة الآلاف، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه التحركات تمثل احترازاً مؤقتاً أم مؤشراً على مرحلة أطول من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

واشنطن/لندن - مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، تتسارع عمليات إجلاء الرعايا الأجانب وسط أجواء توتر غير مسبوقة، بينما تحاول العواصم الغربية الموازنة بين طمأنة مواطنيها وتجنب الإيحاء بانهيار أمني شامل. وفي هذا السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الحرب مع إيران "تطورت بسرعة كبيرة"، وذلك ردا على سؤال بشأن عدم وجود خطة معلنة لإخلاء السفارات الأميركية أو إخراج المواطنين من مناطق الخطر، في وقت تؤكد فيه واشنطن أنها تعمل بالفعل على توفير وسائل مغادرة آمنة لرعاياها.

وفيما أوضح مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية الثلاثاء، أن الولايات المتحدة تسعى إلى تأمين رحلات جوية عسكرية وأخرى بطائرات مستأجرة لإجلاء مواطنيها من الشرق الأوسط، أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر أن إجلاء المواطنين البريطانيين من الشرق الأوسط سيبدأ خلال الأيام المقبلة عبر سلطنة عُمان، موضحة أمام البرلمان أن نحو 130 ألف بريطاني أبلغوا السلطات بوجودهم في دول بالمنطقة استهدفتها إيران، مشيرة إلى أن المجال الجوي مغلق في عدد من هذه الدول، ما يزيد تعقيد عمليات المغادرة.

وأكدت أنها على تواصل مع نظرائها في المنطقة، لافتة إلى حصولها على "دعم ممتاز" خلال مباحثاتها مع وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد، مع تعهد بتأمين بعض رحلات الإجلاء متى ما سمح الوضع الأمني بذلك. كما أشارت إلى التنسيق مع شركات الطيران لزيادة عدد الرحلات المتاحة للمغادرة من مسقط، مع إعطاء الأولوية للحالات الأكثر عرضة للخطر، في ظل ما وصفته بعدد "غير مسبوق" من المواطنين المنتظرين للإجلاء.

وأشارت كوبر أن الوزارة على اتصال بنحو 3000 مواطن أميركي في المنطقة. ويعكس هذا الرقم حجم القلق المتزايد في ظل استمرار الضربات المتبادلة، وإغلاق مجالات جوية في عدد من الدول، وتعطل حركة الطيران التجاري في بعض المسارات الحيوية.

وفي إسرائيل، أفادت الخارجية الأميركية في بيان منفصل بأن المسؤولين على تواصل مع نحو 500 أميركي أعربوا عن رغبتهم في المغادرة. وقد غادر أكثر من 130 مواطناً بالفعل، فيما كان من المتوقع أن يغادر 100 آخرون في وقت لاحق الثلاثاء، في إطار ترتيبات خاصة يجري تنسيقها بالتوازي مع الإجراءات الأمنية المشددة.

وعكست تصريحات ترامب بشأن غياب "خطة إخلاء" رسمية محاولة لعدم إظهار حالة هلع أو انسحاب دبلوماسي واسع، غير أن التحركات العملية على الأرض تشير إلى أن الإدارة الأميركية تتعامل مع السيناريوهات الطارئة بجدية، من خلال تفعيل قنوات تواصل مباشرة مع المواطنين، واستكشاف خيارات النقل العسكري والمدني عند الحاجة.

وزادت التطورات الميدانية من منسوب القلق، لا سيما بعد الهجوم الذي استهدف قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في جنوب قبرص بطائرات مسيّرة. وأعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن إحدى الطائرات سقطت على مدرج القاعدة من دون وقوع قتلى أو أضرار كبيرة، فيما تم اعتراض طائرتين أخريين. وأكدت لندن أنها عززت قدراتها الدفاعية في القاعدة بطائرات مقاتلة إضافية ومنظومات مضادة للطائرات المسيّرة.

وتملك بريطانيا قاعدتين عسكريتين في قبرص، ما يجعل الجزيرة موقعاً حساساً في ظل التصعيد الإقليمي. وتأتي هذه التطورات في سياق ضربات عسكرية تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ فجر السبت ضد أهداف داخل إيران، أسفرت عن سقوط مئات القتلى، بينهم المرشد علي خامنئي ومسؤولون أمنيون.

وفي المقابل، ترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل وما تصفه بقواعد أميركية في دول المنطقة. وقد سقط بعض هذه الهجمات على أهداف مدنية، ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى وأضرار مادية، وهو ما أدانته دول مجلس التعاون الخليجي، مطالبة بوقف الاعتداءات وحماية المدنيين.

وعلى صعيد متصل، تقدمت شركة الطيران البرتغالية 'سبرينج جيت' بطلب إلى وزارة النقل الأميركية للحصول على موافقة لتسيير رحلة إنسانية هذا الأسبوع، لنقل مواطنين من شرم الشيخ في مصر إلى لشبونة ثم إلى مطار جون كنيدي في نيويورك.

وأوضحت الشركة في وثيقة رسمية أنها تعتزم تشغيل طائرة من طراز 'إيه330' نيابة عن شركة 'أركيا'، للمساعدة في نقل أشخاص إلى الولايات المتحدة في ظل الصراع الحالي.

وتعكس عمليات الإجلاء الجارية صورة منطقة تعيش على إيقاع الطوارئ، حيث تتسابق الدول لتأمين رعاياها وسط مشهد عسكري سريع التحول. وبين تأكيدات رسمية بعدم وجود خطط انسحاب شامل، وإجراءات عملية لتأمين مغادرة الآلاف، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه التحركات تمثل احترازاً مؤقتاً أم مؤشراً على مرحلة أطول من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.