دمشق تدرس اقتراحاً بالدعوة لقمة سورية ـ عراقية ـ إيرانية

استعدادات حقيقية ام ضغط اعلامي؟

الدوحة - ذكرت صحيفة "الشرق" القطرية أن دمشق تدرس اقتراحا بالدعوة لعقد قمة ثلاثية تضم رؤساء سوريا وإيران والعراق، في إطار جهد فعال يهدف إلى احتواء الحملة العسكرية الأميركية التي قد تطول هذه الدول بالتتابع.
ونسبت الصحيفة إلى "مصادر مسئولة" قالت أنها شاركت في تقديم هذا الاقتراح أنها تلقت ردا أفاد "بضرورة دراسة مثل هذه الخطوة الهامة، قبل الإقدام عليها".
وأشارت الصحيفة إلى أن عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" كان قد سبق ودعا عبر صفحات "الشرق" لعقد قمة سورية ـ سعودية ـ عراقية في بغداد، آخذا في الاعتبار صعوبة مغادرة الرئيس صدام حسين للعاصمة العراقية.
وأوضحت الصحيفة أن المقترح الفلسطيني الجديد يطرح في ضوء تصاعد الحملة الإعلامية الأميركية على العراق، والتي تفهم من مدخلين: الأول: من مدخل الحرب النفسية والضغط على الرئيس العراقي للقبول بعودة المفتشين الدوليين إلى بلاده، والثاني: من مدخل التهيئة والتحضير النفسي لبدء العمليات العسكرية ضد العراق. أشارت الصحيفة في هذا السياق إلى جملة أسئلة هامة منها: هل اتخذت واشنطن قراراً نهائيا بضرب العراق، بغض النظر عن أية مناورة عراقية لاحتواء القرار الأميركي؟ وما هي اطرف التحالف الجديد الذي قد يشترك في العدوان على العراق؟ و هل تنضم تركيا إلى هذا التحالف؟ وما مواقف الدول العربية من العدوان الأميركي؟ و ما هي محاور الحملة الأميركية على العراق وسيناريو الحرب المقبلة، وأهدافها ومداها الزمني؟ وهل تنجح الحملة الأميركية في الإطاحة بالرئيس صدام حسين؟ وما الذي يفعله العراق في محاولته احتواء العدوان المقبل؟
وقالت إن المراقبين يجمعون على أن قرارا أميركيا بضرب العراق قد اتخذ فعلا من حيث المبدأ والنوايا، وإن لم يكن الرئيس الأميركي جورج بوش وقع بعد أمرا عسكريا ببدء العمليات العسكرية، فمثل هذا القرار موجود في رأس الرئيس، ورؤوس كبار مساعديه، وخاصة نائبه ديك تشيني.
وأضافت أن البعض يذهب إلى القول أن الإدارة الأميركية التي أعطت أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي فرصا متعددة لإنهاء الانتفاضة الفلسطينية، ليكون ذلك مدخلا يهيئ الظروف العربية لضرب العراق، اعتقاداً من واشنطن بصعوبة صمود التسوية السياسية للقضية الفلسطينية أمام الضغوط التي يمكن أن يشكلها توجيه ضربة عسكرية للعراق، باتت تعتقد الآن أن إسقاط الحكومة العراقية، بما يتبعه من حالة إحباط عام في عموم المنطقة، سيسهل من فرض املاءات التسوية التي ظل الشعب الفلسطيني وقيادته يرفضانها حتى الآن، وأن إسقاط الحكومة العراقية سيرغم ياسر عرفات على إعادة حساباته من جديد.
انطلاقا من ذلك، قالت الشرق إن رسالة التحذير التي بعث بها بولنت أجاويد رئيس وزراء تركيا للرئيس العراقي صدام حسين، "تفهم باعتبارها محاولة تركية جادة لتخليص أنقرة من تبعات العدوان الأميركي على العراق، خاصة في شقه الاقتصادي، أكثر مما هي محاولة تركية لتهيئة الأجواء لانضمام تركيا إلى التحالف الجديد".
وبدوره، فإن رد الرئيس العراقي الرافض للنصائح التركية، لا يمثل موقف العراق النهائي، ذلك أن بغداد التي بدأت تتعامل بمرونة جزئية مع مساعي أطراف دولية تعمل من أجل احتواء الموقف، وتريد أن تقدم التنازل المطلوب، ليس فقط في اللحظة المناسبة، إنما كذلك عبر الوسيط المناسب.
وقالت الصحيفة أن ذلك كله لا ينفي احتمال انضمام تركيا مجدداً إلى التحالف العدواني على العراق، وهذا ليس فقط موقف تركيا، لكنه قد يصبح موقف أطراف عربية تعارض الآن علنا توجيه أي ضربة للعراق خشية انعكاساتها على استقرار مجمل الإقليم".
وأضافت أن مثل هذا الانقلاب في المواقف "قد يحدث جراء جملة عوامل مثل اتخاذ قرار أميركي نهائي بمهاجمة العراق، وأن يكون هذا القرار نهائيا وحاسما وشاملاً، ويقضي بالإطاحة بنظام الحكم في العراق فعلاً، ولا يكتفي فقط بتوجيه ضربات عسكرية إليه. وبالطبع، إضافة إلى عدم تحمل أي مسؤولية أدبية أمام الرأي العام العربي عن مثل هذا الهجوم، ويستحسن كذلك عدم تحمل نفقات مالية تترتب عليه. بل إن بعض الأطراف العربية التي ترفض ضرب العراق الآن خشية مواجهة تبعات هذه الضربة داخل بلدانها، تفكر منذ الآن في المكاسب التي يمكن أن تحققها، والدور الذي يمكن أن يسند إليها في حالة حدوث فراغ سياسي في العراق".
وقال التقرير إن تركيا، بالذات، ترفض ضرب العراق الآن تحسباً من أمرين رئيسيين، الأول: توقف تصدير النفط العراقي عبر الأنبوب التركي، وما تجنيه تركيا من هذا الأنبوب على شكل نفط رخيص ورسوم مرور، والثاني: توقف صادراتها للعراق لفترة زمنية ما، وتوقف العراق عن سداد أثمان هذه الصادرات، خاصة وأن أنقرة ليست على استعداد لتحمل المزيد من التبعات الاقتصادية فوق ما تحملته طوال أحد عشر عاما من الحصار والحظر المفروضين على العراق.
وهناك عامل الثالث: المخاطر الاستراتيجية التي يمثلها احتمال إقامة دولة كردية في شمال العراق، على نضال أكراد تركيا لإقامة دولة لهم في جنوب شرق البلاد. ولأن مثل هذا الاحتمال وارد، بما يمثله من أخطار كبرى على تركيا، ولأن أنقرة لا تستطيع مجابهة القرار الأميركي بمهاجمة العراق، فإنها عمدت إلى إثارة قضية "التركمان" في العراق، لاعتبارات تتعلق بالعمل على خلق كيان آخر داخل العراق، توكل له مهمة مناوشة الدولة الكردية في حال قيامها، وبدعم عسكري تركي بطبيعة الحال.
ويستطرد تقرير الصحيفة قائلا أن العراق ليس أفغانستان، وحزب البعث وجيش العراق ليسا حركة طالبان، هذا الكلام، ومثله مما يردده المسئولون العراقيون صحيح. ولأنه كذلك، فإن متخذ القرار الأميركي لن يعمد إلى اعتماد الخطة التي نفذت في أفغانستان، لتتم مهاجمة العراق على أساسها. فالخطط توضع في ضوء القرارات، وخصوصية كل حالة، وليس العكس. وهنالك الآن حديث علني عن سيناريو الحرب المقبلة، وهنالك تخطيطات سرية. وقد قال الرئيس بوش بصراحة أنه لن يتحدث عن الخيارات المتاحة له، وسيبقيها سرية. المعلن من ملامح هذه السيناريوهات يتحدث عن مهاجمة العراق من الجنوب ومن الشمال، على أن تتشكل قوات الهجوم أساسا من قوات معارضة في الجنوب والشمال مدعومة بقوات أميركية قد يصل عددها إلى مائتي ألف جندي. وهذه مسألة تستدعي توقفا من قبل دول جنوب العراق، بقدر ما تستدعي توقف تركيا.
وقال التقرير إن الموقف السعودي المعلن يؤكد أن الرياض ترفض ضرب العراق. وإذا كان هذا الموقف ناجماً عن مخاوف من انعكاسات ذلك على استقرار المنطقة، فإن جانبا مهما من هذا الخوف والقلق يتركز على تبعات إقامة دولة شيعية في جنوب العراق. ويمكن القول أن الكويت وحدها من دون دول الخليج العربي الأخرى تغلب احتمال إسقاط الحكومة العراقية، على الاحتمالات المتعلقة بتبعات ذلك على استقرار المنطقة.
ولكن الرفض السعودي الذي ورد في اكثر من تصريح للأمير عبد الله ولي العهد، والأمير نايف وزير الداخلية، لم يقرن بتحديد إجراءات عملية يمكن أن تترتب عليه في حال شروع الولايات المتحدة في مهاجمة العراق. وهي الإجراءات التي لا يمكن للمراقبين أن يتصوروا مفرداتها العملية.
غير أن هذا الجانب العلني من السيناريو قد يواجه بصعوبات عملية سواء في الجنوب، أو في الشمال. ففي الجنوب، وبالرغم من تعجل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي يتخذ من طهران مقرا له، ويقيم أوطد العلاقات مع الكويت، بدء العمليات العسكرية الأميركية، فإن الموقف الرسمي الإيراني المعلن من شأنه أن يحد من إمكانية مشاركة مقاتلي هذا المجلس في مهاجمة العراق عبر الأراضي الإيرانية كما حدث عام 1991. لكن مقاتلين تابعين له قد يشاركون في العمليات العسكرية عبر الحدود الكويتية. وبالطبع، فإنه سيكون لذلك تبعات على علاقات هذا المجلس مع القيادة الإيرانية، وعلى نحو يفقده أي تعاطف محتمل مع الشيعة في جنوب العراق.
أما في الشمال، فإن الأمر قد يحوي مفاجأة دراماتيكية كبيرة، إذا ما أعلن قريبا عن التوصل إلى اتفاق بين الأحزاب الكردية العراقية وبغداد ينهي حالة التمرد في شمال العراق. ولدى "الشرق" من المعلومات ما يدعو لمثل هذا الاعتقاد، "مما تستدعي المصلحة القومية الإمساك عن نشره الآن". وفي حالة إعلان المصالحة النهائية في الشمال، فإن موقف قادة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية سيكون محرجا أكثر في الجنوب، ليس من الناحية العسكرية، بل لجهة إقدامه على القيام بدور مباشر في إطار المخطط الأميركي، وبشكل معزول عن أكراد الشمال، وعن القيادة الإيرانية "التي باتت تخشى أكثر من أي وقت مضى من أن تؤكل يوم يؤكل الثور الأبيض".
كما يضاعف من مخاوف القيادة الإيرانية هو إدراكها أن الحماس الأميركي لضرب العراق، يأتي في إطار الانجرار وراء المخطط الإسرائيلي الذي يستهدف إيران والعراق معا. وللتذكير، فإن شارون في أول زياراته لواشنطن مطلع عهد الرئيس جورج بوش، طرح على الإدارة الجمهورية للبيت الأبيض ضرب العراق وإيران، فوافقته على ضرب العراق، واختلفت معه بشأن ضرب إيران. لكن شارون نجح على ما يبدو في إقناع بوش بوجهة نظره، فإذا به يفاجئ حتى حلفاءه الأوروبيين بحكاية "محور الشر" الذي ضم كوريا الشمالية إلى جانب العراق وإيران.
أكثر من ذلك، فإن ما هو غير معلن من سيناريو الحرب المقبلة على العراق يتضمن دورا هاما لإسرائيل "وها هو الإعلام الإسرائيلي، إلى جانب الحكومة الإسرائيلية يحرضان واشنطن على ضرب إيران، حتى قبل العراق .. ويقدمان رواية سفينة الأسلحة كمبرر لاستهداف إيران."
ووفقا لما رشح عن آخر زيارات شارون لواشنطن في السابع من الشهر الجاري، فقد أكد على بوش ضرورة مواجهة الخطرين الإيراني والعراقي. وقد وعدت واشنطن إسرائيل بأن تضعها في صورة الاستعدادات والتخطيط والتنفيذ فيما يتعلق بالحرب المقبلة، التي ستكون شريكا فعليا فيها.. إذ ستوضع القواعد العسكرية الإسرائيلية في خدمة القوات الأميركية التي ستهاجم العراق، ولهذا، فقد تم الاتفاق على تشكيل هيئة استخبارات ومراقبة مشتركة مختصة بالشأن العراقي (يديعوت احرونوت في السابع من شباط/فبراير). وقبل ذلك بيومين، كشفت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية عن قيام إسرائيل والولايات المتحدة بإجراء مناورات واسعة النطاق في كانون ثان/يناير الماضي، شملت التدريب على منظومة صواريخ حيتس وبطاريات صواريخ باتريوت تمحورت حول التصدي للصواريخ العراقية أرض ـ أرض التي يمكن أن تطلق على إسرائيل في حال مهاجمة العراق. وقد شارك مئات الجنود الأميركيين في هذه المناورات، قدموا من قواعدهم التابعة للقيادة الأميركية في وسط أوروبا.
وقال التقرير إن "العدوان الإسرائيلي سيشكل حلقة ربط أكيدة ما بين العمل على إسقاط نظام الحكم في العراق، والعمل على تصفية القضية الفلسطينية، وفرض كامل والإملاءات والاشتراطات الأميركية ـ الإسرائيلية على سوريا ولبنان. وبالتأكيد، فإن ذلك سيؤخذ في الاعتبار لدى دراسة دمشق لمقترح الدعوة لعقد القمة الثلاثية التي من شأنها أن تقلب المعادلات الإقليمية رأسا على عقب، وتحتوي بشكل مسبق قرار العدوان الأميركي.. فكيف إذا انضمت السعودية لمثل هذه القمة؟"
وقالت الصحيفة إن "العمل السياسي في هذه الحالة سيكون أكثر تأثيراً بما لا يقارن من التداعي، من موقع رد الفعل، وبعد فوات الأوان، لإعلان الدعم الكامل للعراق في مواجهة العدوان فور بدئه، وهو الدعم الذي لا يملك آلية عمل تتجاوز أثير الإذاعات والتلفازات.. ولا يقدم فيه أو يؤخر كل العمل السري القائم بين بغداد ودمشق منذ بعض الوقت، مما تلزم المصلحة القومية كذلك الإمساك عن نشر تفاصيله، وهو يشكل عامل تحريض سياسي على الجانبين بأكثر مما يضيف إلى قدراتهما على مواجهة العدوان المقبل".