الاقتصاد القطري ينجح في تجاوز أزمة الركود العالمي

لندن - من عبد الكريم حمودي
الادارة السليمة للاقتصاد القطري مكنته من مواصلة نجاحه

تشير التقارير والبيانات الاقتصادية المتوفرة عن الاقتصاد القطري أن الإنجازات التي حققها خلال العام الماضي 2001 في القطاعات غير النفطية ساهمت في التخفيف من حدة الانعكاسات السلبية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط وتراجع عائداته، والناجمة أيضاً عن الآثار الجانبية للأحداث الدولية التي وقعت منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الماضي، بما في ذلك ركود الاقتصاد العالمي.
تراجع الناتج الإجمالي وأظهرت البيانات الرسمية أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ خلال العام الماضي 5.7 في المائة، مقارنة مع نحو 24 في المائة عام 2000.
وأشار مصرف قطر المركزي في تقرير له أن السبب الرئيس في هذا الانخفاض يعود إلى تدهور أسعار النفط خلال الربع الأخير من العام الماضي. وقال التقرير إن حجم الناتج الإجمالي القطري، الذي تحقق خلال عام 2001 بلغ 58.8 مليار ريال (16.153 مليار دولار) انخفاضاً من 59.9 مليار ريال (16.456 مليار دولار) في عام 2000. (الدولار =3.64 ريالاً).
وجاء تراجع إجمالي الناتج المحلي نتيجة تراجع عائدات النفط والغاز والتي بلغت خلال العام 2001 نحو 33.474 مليار ريال (9.193 مليار دولار) بالمقارنة مع حوالي 34.950 مليار ريال (9.601 مليار دولار) عام 2000، وكان الناتج المحلي الإجمالي قد بلغ عام 2000 نحو 59.893 مليار ريال، في حين لم يتعد عام 1998 مبلغ 37.330 مليار ريال قطري (10.255 مليار دولار) فقط.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن قطر تملك احتياطات ضخمة من النفط الخام تبلغ حوالي 11 نحو مليار برميل، ويشكل النفط العمود الفقري للاقتصاد القطري إذ يرفد خزينة الدولة بما نسبته 80 في المائة من إجمالي الإيرادات، كما يرتبط بهذا القطاع العديد من الصناعات أهمها الصناعات التحويلية، وصناعة البتروكيماويات والأسمدة، وقد تراجع معدل سعر البرميل لنفط أوبك عام 2001 بأكثر من 10 دولارات، إذ بلغ في نهاية العام الفائت 17.5 دولاراً للبرميل الواحد مقارنة مع 28 دولاراً نهاية عام 2000.
وقال محمد مؤابي، وهو مدير في بنك قطر الوطني، إن سعر النفط الخام القطري بلغ في المتوسط 23.60 دولاراً للبرميل في عام 2001 منخفضاً بنسبة 13 في المائة عن السنة السابقة. واستدرك بقوله "لكن هذا عوضه جزئياً نمو معقول في قطاعي الغاز والبتروكيماويات وكانت المحصلة انكماشا مقداره اثنان في المائة تقريبا في إجمالي الناتج المحلي".
ويعد هذا القطاع بمستقبل كبير حيث ازدادت الحقوق المكتشفة من أربعة حقول في الثمانينيات إلى سبعة حقول في عام 1997 ووصلت إلى عشرة حقول في عام 2000 وهي قادرة على إنتاج نحو 800 ألف برميل يومياً، لاسيما بعد افتتاح مشروع حقل الشاهين النفطي، الذي يعد الأكبر في قطر من حيث الإنتاج ويبلغ مخزونه 15 مليار برميل.
أما بالنسبة لقطاع الغاز فقد ساهم خلال العام الماضي في التخفيف من آثار تراجع أسعار النفط، وهو أيضاً من القطاعات الرائدة والواعدة، حيث تتمتع قطر بموارد ضخمة من الغاز، حيث يبلغ الاحتياطي 500 تريليون متر مكعب، فيما تبلغ مبيعات قطر من الغاز في الوقت الحاضر نحو 14 مليون طن سنوياً، وخلال عشر سنوات سترتفع إلى أكثر من 30 مليون طن سنوياً. وقد ساهمت دخول إيرادات الغاز المسيل بزيادة نسبة النمو بشكل بارز.
وقالت مصادر اقتصادية إن الربح الصافي لشركة "قطر غاز" بلغ نهاية عام 2001 حوالي 638 مليون دولار، في حين بلغت كمية الغاز المصدرة في نهاية العام نفسه 7.37 مليون طن من الغاز المسيل. وأشارت إلى أن كمية الغاز المسيل المصدر من شركتي "قطر غاز" و"رأس غاز" نهاية عام 2001 بلغت ما مجموعه حوالي 14 مليون طن سنوياً إلى اليابان وكوريا الجنوبية وبعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
وقد استثمرت قطر خلال السنوات القليلة الماضية مليارات الدولارات لاستغلال احتياطاتها الهائلة من الغاز، وهي ثالث أكبر احتياطات في العالم بعد إيران وروسيا.
وتعول الحكومة على ارتفاع صادراتها من الغاز الطبيعي خلال الأعوام المقبلة، والتي من المنتظر أن تصل قيمة العائدات خلال عام 2010 إلى نحو ثمانية مليارات دولار، وخاصة بعد اكتشاف حقل غاز الشمال، أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، خاصة وان الاقتصاد القطري يمتلك بنية تحتية ممتازة وقوانين استثمارية محفزة على إنشاء المشاريع.
وقد تم في وقت سابق من هذا العام توقيع اتفاقيات لتوريد كميات من الغاز تبلغ إجمالاً ثلاثة مليارات متر مكعب سنوياً: ملياران منها إلى الإمارات العربية المتحدة ومليار إلى الكويت.
كما تم أيضاً إبرام مذكرة تفاهم مع البحرين، ومن المتوقع أن تصل المبيعات إلى 800 مليون متر مكعب سنوياً. وتأمل قطر أيضاً في بتوسيع وجودها في أوروبا حيث يزداد بسرعة الطلب على الغاز الطبيعي الأنظف احتراقاً. نمو القطاعات غير النفطية وفي مقابل تراجع أسعار النفط سجلت القطاعات الاقتصادية الأخرى تطورات إيجابية خلال العام الماضي 2001 حيث بلغ معدل النمو في ناتجها المحلي الإجمالي نحو 3.5 في المائة وبقيمة 27.408 مليار ريال (7.529 مليار دولار) مقارنة بنحو 24.947 مليار ريال (6.853 مليار دولار) في عام 2000، في حين كانت عام 1998 بحدود 24.325 مليار ريال (6.682 مليار دولار) فقط.
وكان نصيب هذه القطاعات على النحو التالي: قطاع الصناعة 3.968 مليار ريال (1.090 مليار دولار)، والصيد والزراعة 265 مليوناً (72.8 مليون دولار)، التجارة والفنادق والمطاعم حوالي 3.738 مليار ريال (1.026 مليار دولار)، قطاع النقل والمواصلات حوالي 2.346 مليار ريال، فيما حافظ قطاع الإنشاءات على أدائه، حيث لم تتغير القيمة التي سجلها خلال العام 2000 والتي تبلغ نحو ملياري ريال، وسجلت القطاعات الأخرى ناتجاً محلياً عام 2001 بلغ 15.021 مليار ريال، وفي عام 2000 حوالي 14.183 مليار، بينما بلغ الناتج المحلي لهذه القطاعات عام 1998 ما قيمته 13.635 مليار ريال.
ويعتبر القطاع المالي والمصرفي القطري من القطاعات الاقتصادية النشطة التي تؤدي نتائج جيدة مقارنة بأداء القطاعات الأخرى، إلا أن مدى مساهمته وتأثيره في مجمل الدخل العام للدولة تكاد تكون ضئيلة بجانب مساهمة قطاعات وصناعات أخرى مرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر بقطاعي النفط والغاز.
وشهد القطاع المصرفي والمالي خلال العام الماضي أيضاً تطوراً ملحوظاً في أدائه حيث ارتفعت موجودات البنوك والمصارف التجارية العاملة في السوق القطرية بنسبة 14.1 في المائة، كما زاد إجمالي الودائع لدى هذه المصارف بمعدل 6.2 مليار ريال (1.703 مليار دولار) لترتفع بنسبة 14.6 في المائة إلى 42.6 مليار ريال 11.703 مليار دولار، مقارنة مع عام 2000.
ويعمل 15 مصرفاً في السوق القطرية، إضافة إلى أكثر من عشر مؤسسات استثمارية مالية، إلا أن مساهمتها لا تزيد في مجملها على خمسة في المائة من إجمالي الناتج المحلي القطري، وهي نسبة غير مؤثرة خاصة أن تطور قطاع المال والمصارف ونشاط أدائه يرتبط بشكل غير مباشر بأداء قطاعات أخرى مثل قطاع العقارات وقطاع التأمين. فائض الميزانية تقول مصادر اقتصادية قطرية إن الميزانية، ورغم انخفاض أسعار النفط، ستسجل فائضاً متوقع قدره 497 مليون ريال (136.5 مليون دولار) ويعود ذلك إلى التقديرات المتحفظة للدخل، وكانت الميزانية تنبأت بعائدات قدرها 18.06 مليار ريال بافتراض أن سعر النفط سيكون 16.50 دولاراً للبرميل الواحد، وبإنفاق قدره 17.56 مليار ريال للسنة المالية الحالية.
وقال مسؤولون بوزارة المالية إن هبوط عائدات النفط كان له أثر ضئيل على الإنفاق الحكومي أو مشروعات التنمية لأن الحكومة يمكنها الاعتماد على زيادة الدخل من الغاز والبتروكيماويات.
كما شهد عام 2001 أيضاً استقراراً في حجم التبادل التجاري بين قطر والعالم الخارجي. ومن المتوقع أن يكون قد حقق فائضاً خلال العام الفائت قدره نحو 54 مليار ريال ( 14.8 مليار دولار ) دون أن يحقق أي ارتفاع يذكر مقارنة مع نتائج عام 2000.
وكان حجم المبادلات التجارية بين قطر ومختلف دول العالم حقق قفزات نوعية في الأعوام الأخيرة، حيث ارتفع بنسبة 14.3 في المائة خلال عام 1999 مقارنة مع عام 1998 بعد أن بلغ 35 مليار ريال ارتفاعاً من 30 مليار ريال، ثم واصل ارتفاعه عام 2000 بنسبة 35.2 في المائة. ويميل الميزان التجاري لصالح قطر في مبادلاتها مع معظم دول العالم، وذلك بفضل عائدات صادراتها من النفط والغاز. الديون تؤكد المصادر القطرية أن قيمة الديون الخارجية التي تبلغ نحو 12 مليار دولار أي نحو 74 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الذي وصل نهاية العام الماضي إلى أكثر 16 مليار دولار لا تشكل مصدر قلق للحكومة نتيجة قوة الاقتصاد القطري وقدرته على السداد لا سيما بعد رفع التصنيف الائتماني لدولة قطر من قبل عدد من مؤسسات التمويل الدولية، كما أن نسبة الفائدة على الديون القطرية لا تتجاوز في العادة 10 في المائة وهي نسبة معقولة وتبقى ضمن الحدود الطبيعية ولا تشكل أي عبئ على الموازنة.
وتشمل الديون القطرية 5 مليارات دولار ديون مباشرة على الحكومة بما فيها 2.4 مليار دولار على هيئة سندات و2.6 مليار دولار لتمويل مشاريع متعلقة بالنفط والغاز وبكفالة تلك المشاريع، في حين يصل حجم الديون المحلية إلى 3.4 مليارات دولار منها 1.3 مليار دولار على هيئة سندات خزينة تتراوح أجال استحقاقها ما بين سنة إلى 3 سنوات. أما فيما يتعلق بخدمة الديون مضافاً إليها قيمة القسط فقد بلغت خلال العام الماضي نحو 1.3 مليار دولار، وسترتفع خلال العام الجاري إلى 1.4 مليار دولار فقط.
ولن يظهر أي انعكاس مباشر لتقليص حجم المديونية القطرية قبل عام 2005 حيث ستبدأ خدمة الديون في الانخفاض التدريجي اعتباراً من العام القادم 2003 لتصل إلى 380 مليون دولار عام 2005.
بكلمة أخيرة إن الاقتصاد القطري نجح خلال العام الماضي في تجاوز الانعكاسات السلبية لتراجع عائدات النفط وتأثيرات الركود العالمي، وسيواصل تقدمه خلال العام الجاري في ظل المشاريع الكبيرة التي تنفذها الحكومة وخاصة في قطاع الغاز حيث من المتوقع أن يتجاوز جميع الانعكاسات السلبية التي تركت بصماتها عليه خلال العام الماضي وسيكون أكثر قدرة على مواجهة الأحداث الطارئة مع سعي الحكومة الدؤوب لتنويع موارده ومصادر دخله.