الجزائر تواجه ازمة اقتصادية طاحنة
تعرض الاقتصاد الجزائري خلال العام الماضي 2001 إلى خسائر كبيرة نتيجة تراجع أسعار النفط والغاز، والتي تشكل عائداتهما نحو 97 في المائة من صادرات البلاد، وتداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وركود الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى الخسائر الباهظة الناتجة عن الفيضانات المدمرة التي ضربت البلاد خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، والتي تجاوزت قيمتها في مدينة الجزائر العاصمة فقط 625 مليون دولار.
وقد أدت هذه الخسائر إلى زيادة الصعوبات الاقتصادية المزمنة في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد منذ فترة طويلة، حيث لم يتجاوز معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي نحو ثلاثة في المائة فقط، حسب المصادر الرسمية، علاوة على تفاقم الأزمات الاجتماعية الخانقة مثل الفقر والبطالة وانتشار الأمراض، وهو ما يكرس استمرار حالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد.
وجاء قطاع الطاقة في مقدمة القطاعات التي تعرضت لخسائر كبيرة، نتيجة تراجع أسعار النفط دون مستوى 22 دولاراً للبرميل، حيث انخفضت عائدات الجزائر النفطية خلال العام الماضي 2001 مقارنة مع العام الذي سبقه بمقدار 13 في المائة لتسجل نحو 11.1 مليار دولار.
ومن المتوقع أن تتراجع قيمة العائدات خلال العام الجاري إلى نحو 9.7 مليار دولار، وتعود أسباب هذه الخسائر إلى أن الجزائر بنت حساباتها منذ مطلع العام الماضي على أساس بقاء أسعار النفط في حدود 25 دولاراً للبرميل الواحد، وهو ما لم يتحقق، بالإضافة إلى تراجع الكميات المصدرة مع الإشارة هنا إلى أن الجزائر تصدر نحو 945 ألف برميل يومياً فيما يقدر الاحتياطي بنحو 9.2 مليار برميل.
وتقول مصادر حكومية إن كل انخفاض في أسعار النفط والغاز بمقدار دولار واحد يكلف الجزائر خسارة تصل إلى 500 مليون دولار سنوياً، كما أن تخفيض الإنتاج يضر بها أيضاً ويجعل خسارتها مضاعفة، وهو ما يؤكده الخبير الدولي في شؤون النفط نيكولاس سيركيس بقوله: إن الجزائر ستتأثر بصفة مضاعفة بتراجع أسعار النفط والغاز معاً، وأضاف سيركيس إن الجزائر أساساً بلد مصدر للغاز، وأسعار الغاز الطبيعي مرتبطة بأسعار النفط، مشيراً إلى أن "أي انخفاض لأسعار النفط سيؤثر على مستويات أسعار الغاز لأن العديد من المستهلكين سيفضلون اللجوء إلى السوق النفطي على حساب الغاز بالنظر إلى انخفاض سعره وبالتالي فهناك إمكانية أن تتأثر الجزائر مرتين وبصورة مضاعفة لا سيما أنها مصدر كبير للغاز حيث تصدر نحو 60 مليار متر مكعب سنوياً، فيما تقدر وكالة الطاقة الدولية الاحتياطي الجزائري من الغاز القابل للاستخراج بنحو 159.2 مليار قدم مكعب.
ويرى بعض المحللين في أحد مصارف الأعمال الأوروبية المتعاملة مع الجزائر بأن الازمة الحالية ستعيق عملية فتح بعض القطاعات الرئيسة أمام الاستثمار الأجنبي، وإرجاء تنفيذ بعض المشاريع التنموية الكبرى (بنيات تحتية، زراعة، مناطق حرة، توسيع مرافئ ومطارات) الواردة في خطة الحكومة والتي تبلغ تكاليفها نحو 21 مليار دولار على مدار السنوات الثلاث التي تنتهي في 2004، وكذلك مشاريع التخصيص لقطاعات الماء والكهرباء التي تلقي معارضة شديدة من النقابات المركزية.
ويعتبر هؤلاء أن الأوضاع الجديدة ستبقي وضع بورصة الجزائر على حاله من المراوحة حيث لا يتم التداول الآن سوى بأسهم تعود لخمس شركات مساهمة.
كما سينسحب الانكماش نفسه على عدد من المؤشرات في طليعتها صعوبة تقليص حجم الدين بنسبة العامين الماضيين، وتعزيز الاحتياطات النقدية من العملات الأجنبية وحل عدد كبير من المشاكل الاجتماعية التي يعتبرها المراقبون بمثابة القنابل الموقوتة بالنسبة للنظام.
ومن سلبيات التأثيرات المتوقعة أيضاً، مضاعفة حجم الموازنة الأمنية والدفاعية التي ستكون حتماً على حساب تنمية عدد من القطاعات الحيوية.
وجاءت الخسائر الناجمة عن الفيضانات التي ضربت الجزائر في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي لتزيد الأوضاع سوءاً فقد كشفت السلطات الجزائرية عن تقييم أولي للخسائر المادية بلغ 50 مليار دينار بمدينة الجزائر وحدها "نحو 625 مليون دولار".
وأكدت حسابات أخرى على أن تعويض الدمار الذي مس البنايات والمنشآت بمختلف مناطق البلاد يحتاج إلى ميزانية تعادل ثلث الاعتمادات المخصصة لبرنامج الإنعاش الاقتصادي الممتد على ثلاث سنوات وهي في حدود 7.5 مليار دولار.
وقد ساهمت هذه الأحداث والتطورات في زيادة حدة الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد الجزائري والتي ستعرض لأبرزها فيما يلي:
المديونية الخارجية
على الرغم من أن البيانات الرسمية تشير إلى تراجع حجم المديونية الخارجية خلال العامين الماضيين بسبب زيادة موارد الدولة المالية وتسديد أكثر من 10 مليارات دولار من القروض والفوائد المترتبة عليها، إلا أن هذا التراجع سيكون بلا أثر في المرحلة المقبلة، فالديون التي بلغت في نهاية العام 2000 نحو 25.2 مليار دولار والتي انخفضت إلى حدود 22 مليار دولار مع نهاية عام 2001 ستعود إلى الارتفاع من جديد بسبب تراجع عائدات النفط والغاز التي تشكل المصدر الوحيد للعملات الصعبة والعودة إلى الاقتراض من جديد لتعويض الخسائر الجديدة، مع إمكانية زيادة الديون العسكرية، حيث أن الأرقام السابقة لا تشمل الديون العسكرية التي تقدرها بعض الأوساط الجزائرية ما بين 8 إلى 10 مليارات دولار، وهو ما يجعل مجموع الديون الجزائرية الخارجية تتراوح ما بين 30 إلى 32 مليار دولار وهو رقم مرتفع جداً قياساً إلى حجم الناتج الإجمالي.
انتشار الأمراض
كشفت تقارير صدرت مؤخراً عن مؤسسات رسمية منها المركز الوطني للدراسات والتخطيط والديوان الوطني للإحصاء، وعالمية مثل منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية عن تراجع مقلق لمستويات المعيشة وتسجيل اختلالات اجتماعية.
وركزت التقارير على بروز ظاهرة نقص التغذية و الأمراض الناتجة عنها، وأكدت التقارير التي اعتمدت على دراسات ميدانية على مدى عشر سنوات أن الأمراض الناتجة عن نقص التغذية تضاعفت في الجزائر كما عرفت أمراض الفقر تزايداً ملحوظاً إلى درجة أن وزارة الصحة سجلت في إحصاء جزئي أكثر من 45 ألف حالة جرب العام الماضي، وأرجع الخبراء ذلك للنقص الكبير في تلبية حاجات الناس من الماء، إذ لا تتعدى حصة الجزائري من المياه حدود 900 متر مكعب سنوياً و هي من أدنى النسب في العالم.
وسجلت التقارير اختلالاً كبيراً بين العرض والطلب و الاستهلاك، ولم تعد 40 بالمائة من العائلات قادرة على تناول وجبة غذائية متوازنة، كما تراوحت نسبة الأطفال الذين لا تبلغ وجبة الغذاء اليومية 3000 سعر حراري ما بين 15 و 20 بالمائة وهو ما ساعد على بروز أمراض ناتجة عن سوء التغذية لا سيما فقر الدم.
تزايد معدلات البطالة والفقر
سجلت معدلات البطالة خلال العام الماضي ارتفاعاً ملحوظاً فبلغت أكثر من 31 بالمائة، مقابل نسبة 26 بالمائة عام 1996، ويتوقع أن تتجاوز نسبة البطالة في الجزائر عام 2010 حدود 37 بالمائة لا سيما وأن نسبة النمو في الناتج الإجمالي ظلت دون 4 بالمائة خلال العشر سنوات الماضية، ويشير تقرير الديوان الوطني إلى تزايد الفوارق الاجتماعية في المجتمع الجزائري خلال عامي 2000 و 2001 على الرغم من أن الجزائر سجلت خلال العامين أعلى ايرادات لها بتجاوزها سقف 20 مليار دولار، وأن نسبة زيادة السكان ونسبة الخصوبة عرفت تراجعاً كبيراً خلال الخمس سنوات الماضية، إذ لا تتعدى حالياً 1.6 بالمائة مقابل أكثر من 3 بالمائة منتصف التسعينيات.
أما بالنسبة إلى مشكلة الفقر فتؤكد المصادر المطلعة أن هناك أكثر من 15 مليون جزائري يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم أي نحو 50 في المائة من الجزائريين (عدد السكان الإجمالي 30 مليون نسمة) يعيشون تحت خط الفقر المتعارف عليه دولياً حسب الأرقام الصادرة عن البنك الدولي لكن الحكومة تقول إن الذين يعيشون على أقل من دولار واحد لا يتجاوز 6.5 مليون شخص. وتؤكد الدراسات الميدانية أن الجزائر بحاجة إلى أكثر 14 مليار دولار لحل مشكلة الفقر حتى عام 2004.
تزايد عجز الميزانية
أظهرت بيانات الحكومة الجزائرية لميزانية عام 2002 أن العجز فيها سيزيد عن 102 مليار دينار (أكثر من 1.3 مليار دولار) وهو نحو ضعف مستوى العجز الذي سجلته الميزانية في عام 2001. وتهدف الميزانية إلى تحقيق إيرادات بقيمة 1458 مليار دينار (19 مليار دولار) بزيادة نسبتها 3.8 في المائة عن المقدر لعام 2001، وهي تتوقع أيضاً أن يبلغ الإنفاق 1560 مليار دينار بزيادة 7.4 في المائة عن إنفاق سنة 2001.
ويمثل قطاع النفط والغاز أكثر من 90 في المائة من إيرادات البلاد بالعملة الأجنبية وأكثر من 60 في المائة من إيرادات الميزانية.
وتهدف الميزانية كذلك إلى بلوغ صادرات النفط والغاز 17.70 مليار دولار في عام 2002 مقابل 16.42 مليار دولار في عام 2001 وأن تبلغ الواردات 11 مليار دولار مقابل نحو 10.40 مليارات دولار عام 2001. وتتوقع الميزانية أن يبلغ النمو في إجمالي الناتج المحلي 5.7 في المائة في عام 2002 مقابل 3 في المائة عام 2001.
إجراءات لتنشيط الاقتصاد
وأمام هذه الخسائر الكبيرة التي زادت من تردي الأوضاع الاقتصادية بادرت الحكومة إلى بعض الإجراءات الاقتصادية للتخفيف من آثار الأزمة ومن هذه الإجراءات:
زيادة صادرات الغاز: جاء في نشرة "ميدل إيست ايكونوميك سيرفي" في 28 كانون ثاني/يناير الماضي أن الجزائر تعتزم تعزيز موقعها في مجال تسويق الغاز في أوروبا ورفع صادراتها التي تبلغ حالياً 60 مليار متر مكعب سنوياً إلى نحو 85 مليار متر مكعب سنوياً من خلال الإسراع في مشاريع الإنتاج الرئيسية وخطوط الأنابيب الجديدة التي تتطلب ضخ استثمارات بقيمة عشرة مليارات دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة في كافة قطاعات تنمية الغاز. وقد بلغ إجمالي إنتاج الجزائر من الغاز عام 2000، حوالي 170 مليار متر مكعب استخدمت 6.88 مليارات متر مكعب منها في عمليات إعادة الحقن.
تنشيط التجارية الخارجية: تمثل صادرات المحروقات (النفط والغاز) 97 في المائة من حجم التجارة الخارجية، أو ما يعادل 20.04 مليار دولار، في حين لم تتجاوز قيمة باقي الصادرات خلال العام الماضي حدود 564 مليون دولار وهو ما يمثل 3 في المائة فقط من حجم مجموع الصادرات، وتجدر الإشارة إلى أن دراسة لبنية الصادرات الجزائرية كشفت اختلالات واقعية مرتبطة بوضع المؤسسات الصناعية وعدم قدرتها على التصدير.
ففي الوقت الذي يتجاوز مثلاً قيمة الواردات الجزائرية من المواد الغذائية والزراعية 2.5 مليار دولار، لم تتجاوز الصادرات الجزائرية من ذات المادة عام 2001 الخمسين مليون دولار. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الجزائر تسجل أقل من 400 مصدر مقابل 40 ألف مستورد، وعلى ضوء هذه المعادلة المختلة قررت الحكومة الجزائرية فرض إجراءات جديدة على المستورين لتنظيم نشاط التجارة الخارجية.
استئناف برنامج الخصخصة: كشف الوزير الجزائري للمساهمة وتنسيق الإصلاحات نور الدين بوكروح في 15 آذار/مارس عن برنامج جديد لخصخصة أكثر من 100 مؤسسة عمومية من مجموع 1400 مؤسسة مرشحة للخصخصة، من خلال آليتي فتح رأس المال والشراكة إلى جانب 70 مؤسسة محلية يتم التنازل عنها للعمال من مجموع 377 مؤسسة. وتأتي العملية الجديدة بعد إخفاق التجارب السابقة لا سيما تلك التي بوشر فيها منتصف التسعينيات والتي خصت 89 مؤسسة عمومية ولم تحقق أية نتائج تذكر حيث لم تسفر عملية الخصخصة حتى نهاية عام 2001 إلا على تجسيد عمليتين هامتين هما فتح رأسمال شركة منتجة للمنظفات (إيناد) لفائدة شركة (هنكل) الألمانية، وحصول المجموعة الهندية للفولاذ والحديد (إسبات) على أغلبية الحصص في الشركة الجزائرية للحديد والصلب (سيدار).
وضمن نفس السياق شرعت الحكومة الجزائرية في اتخاذ إجراءات جديدة تهدف لخصخصة قطاعي المصارف والتأمينات. ومن الإجراءات التي تم الإعلان عنها مشروع توأمة ثلاثة بنوك عمومية وجزائرية بثلاثة أوروبية، وشركتين عموميتين للتأمين بمثيلتيهما في أوروبا.
وقال مراد مدلسي إن العملية ستمتد على ثلاث سنوات يتم خلالها تأهيل ثلاثة بنوك عمومية جزائرية وشركتين للتأمين وتحضيرها لمرحلة الشراكة وفتح رأس المال أو الخصخصة الجزئية في غضون 2006.
ويبلغ عدد المصارف المؤهلة ستة مصارف عمومية، تتوفر أربعة منها على حظوظ أكبر لامتلاكها لنسبة معتبرة من السوق الجزائرية هي البنك الوطني الجزائري والقرض الشعبي الجزائري والصندوق الوطني للتوفير والاحتياط وأخيراً بنك الفلاحة والتنمية الريفية هذه البنوك تمثل أكثر من 50 في المائة من النشاط المصرفي بالجزائر وأكثر من 60 في المائة من الموارد المالية المدخرة والمودعة المقدرة بأكثر من 3600 مليار دينار (حوالي 40 مليار دولار).
فيما تقدر سوق التأمينات بالجزائر بـ 1 مليار دولار وهو مؤهل لكي يتضاعف ثلاث مرات مع حلول عام 2005.
زيادة مساهمة قطاع الزراعة: تعمل الحكومة على تنشيط القطاع الزراعي وزيادة مساهمته في الناتج الإجمالي المحلي حيث حقق هذا القطاع نتائج إيجابية، ومن المتوقع أن تصل مساهمته في الناتج المحلي إلى نسبة 16.53 بالمائة عام 2002. كما ساهم في إيجاد المزيد من فرص العمل وفي هذا الإطار صرح السيد فاروقي سيد أحمد، مسؤول لجنة تطوير وتنظيم المنتجات الزراعية أن قطاع الزراعة ساهم في توفير حوالي 123 ألف فرصة عمل، وقد بلغت القيمة المالية الاستثمارية في البرنامج حوالي 126 مليار دينار.
بكلمة أخيرة إن تداعيات الأحداث الداخلية والخارجية التي جرت خلال العام الماضي على الاقتصاد الجزائري كانت كبيرة جداً وأن إمكانية تجاوزها خلال العام الجاري تبدو من الصعوبة بمكان في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها الجزائر وأسواق النفط العالمية على حد سواء، وإذا كانت نسبة النمو المطلوبة ليستعيد الاقتصاد الجزائري قوته ويقف على قدميه يجب أن تبلغ سبعة في المائة على مدار العقد المقبل كما قال الرئيس بوتفليقة فإن بلوغ هذا النسبة يبدو مستحيلاً في ظل استمرار السياسات السابقة. (ق.ب)