تحليل: جولة وزير الخارجية الاميركية.. مكافأة للمعتدي

الكويت - من عبدالحميد بدرالدين‏
الفلسطينيون لا ينتظرون من باول الكثير

شارفت جولة وزير الخارجية الاميركية كولن باول الى ‏ ‏منطقة الشرق الاوسط على الانتهاء من دون تحقيق شئ يذكر على طريق وقف العدوان ‏ ‏الاسرائيلي ضد أبناء الشعب العربي الفلسطيني.
وكان باول قد استهل جولته بزيارة الرباط والدار البيضاء يوم 8 ابريل/نيسان الجاري ‏ ‏حيث استقبله كل من العاهل المغربي الملك محمد السادس وولي العهد ونائب رئيس ‏ ‏الوزراء في المملكة العربية السعودية الامير عبدالله بن عبدالعزيز.
وفي الرباط قال الملك المغربي مخاطبا الوزير الاميركي "كنت آمل أن تبدأ زيارتك ‏ ‏الراهنة بالقدس" في اشارة واضحة الى أن الأهم كان الالتقاء مباشرة بطرفي الصراع ‏ ‏والاهتمام بوقف حمامات الدم التي يتعرض لها الفلسطينيون على مدار الساعة.
من جهته اوضح الامير عبدالله للوزير الاميركي ان "ادوات الضغط في يد الادارة ‏ ‏الاميركية تؤهلها بكل اقتدار الى وقف نزيف الدم الذي تمارسه الحكومة الاسرائيلية ‏ ‏ضد اشقائنا في فلسطين وعلى انسانية كل عربي ومسلم ومسيحي وشريف ينشد الحرية ‏ ‏والعدالة".
جولة الوزير الاميركي جاءت بعد حوالي أسبوعين من جولة أوسع قام بها نائب ‏ ‏الرئيس الاميركي ديك تشيني وشملت زيارة تسع دول عربية استمع خلالها من قادة دولها ‏ ‏الى خطورة الوضع في الشرق الاوسط وضرورة الشروع في تسوية حقيقية للصراع تستند الى ‏ ‏قرارات الشرعية الدولية ومبادرة الامير عبدالله. ‏ ‏ وقبيل مغادرته الى مدريد لحضور الاجتماع الرباعي استمع الوزير باول من الرئيس ‏ ‏المصري محمد حسني مبارك يوم 9 ابريل الى موقف مماثل شدد على خطورة الوضع وبالتالي ‏ ‏ضرورة التحرك الجاد لوقف سفك الدماء واحضار الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي الى ‏ ‏مائدة المفاوضات.
ولم يقدم باول حتى هذه المرحلة من جولته شيئا ايجابيا يذكر باستثناء ‏ ‏تأكيده بأن الرئيس ياسر عرفات يمثل الشعب الفلسطيني لانه الرئيس المنتخب وأنه ‏ ‏سيلتقيه عندما يصل الى القدس. ‏
وفي لقاء مديد يوم 10 ابريل/نيسان الذي جمع كولن باول ووزير خارجية روسيا ‏ ‏ايغورايفانوف ونظيرهما الاسباني جوسيب بيكه وسكرتير عام الامم المتحدة كوفي عنان ‏ ‏أكد المجتمعون في بيانهم الختامي انه لا وجود لحل عسكري وان الحل السياسي يعتمد ‏ ‏على قراري مجلس الامن 242 و338 ومبدأ الارض مقابل السلام والقرار 1379 الذي اكد ‏ ‏مبدأ قيام دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل والترحيب بمبادرة الامير عبدالله بن ‏ ‏عبدالعزيز.
وطالب الاجتماع الرباعي ضمن امور أخرى عديدة اسرائيل بوقف عملياتها العسكرية ‏ ‏فورا والانسحاب من المدن الفلسطينية ومنها رام الله ومركز الرئيس عرفات والالتزام ‏ ‏بالمواثيق الانسانية والسماح لهيئات الاغاثة الدولية باستئناف نشاطها.
ثلاثة ايام تنقل باول خلالها بين الرباط والدار البيضاء والقاهرة ومدريد قبل ‏ ‏ان يعود ثانية الى المنطقة لزيارة عمان والقدس كان الجيش الاسرائيلي خلالها يجتاح ‏ ‏مخيم جنين ويقتل المئات من ابناء الشعب الفلسطيني ويهدم البيوت فوق رؤوس سكانها ‏ ‏ويحول بينهم وبين الحصول على احتياجاتهم الانسانية المتواضعة ومنها مداواة جرحاهم ‏ ‏ودفن شهدائهم واطعام اطفالهم.
وكانت ممارسات الجيش الاسرائيلي تتم على مرأى ومسمع من الادارة الاميركية ‏ ‏والعالم كله وفي ظل تصريحات كانت بمثابة رسائل بعث بها الرئيس الاميركي جورج بوش ‏ ‏ومستشارته للأمن القومي بضرورة الانسحاب من المدن والمناطق التي تحتلها "الآن ‏ ‏وليس غدا" مما جعل البعض يتفاءل بموقف اميركي جاد يرقى الى مستوى خطورة الاوضاع.
غير ان اسرائيل لم توقف عدوانها بل تزامنت عودة باول الى المنطقة ‏ ‏بفرض الدبابات والمدرعات الاسرائيلية سيطرتها على مخيم جنين حيث قتلت المئات ‏ ‏واسرت اكثر من اربعة آلاف وحملت جرافاتها عشرات الجثث لتلقي بهم في حفر مجهولة ‏ ‏وتترك سكان المخيم محرومين من السكن والطعام والماء والأمن.
وفي أعقاب اجتماعه مع شارون صرح باول في المؤتمر الصحفي المشترك الجمعة انه لم ‏ ‏يحصل من رئيس الوزراء الاسرائيلي على رد محدد حول مدة العمليات العسكرية ‏ ‏الاسرائيلية في الضفة الغربية.
وأضاف الوزير الاميركي انه "يتفهم حاجة اسرائيل للدفاع عن نفسها ضد الارهاب" ‏ ‏كما قام باول بزيارة غير ضرورية بالمرة الى احدى قواعد الجيش الاسرائيلي قرب ‏ ‏الحدود مع سوريا حيث يمكن ان تعتبر تأييد لتوسع عملياته لتشمل سوريا.
يذكر ان قادة الجيش الاسرائيلي صرحوا في اكثر من مناسبة ان الحرب الدائرة ضد ‏ ‏ما اسموه بالارهاب ليس لها حدود اي يمكن ان تطال بلدانا اخرى.
وسط هذه الرؤية المغلوطة التي تضع العربة باستمرار امام الحصان وتقفز الى ‏ ‏النتائج من دون دراسة الأسباب يبدو الشعب الفلسطيني وكأنه أدخل نفقا مظلما من ‏ ‏جديد وليس أمامه سوى الاستمرار في المقاومة والتصدي للعدوان مهما تكن التكاليف ‏ ‏وأيا كانت الخسائر والتضحيات خاصة وقد كوفئ المعتدي بالصمت على ممارساته ‏ ‏الارهابية.
وتؤكد العمليتان الفدائيتان الجمعة تصميم الفلسطينيين على انتزاع حقوقهم المشروعة ‏ ‏فقد جرت الاولى بالقرب من معبر ايريز شمالي غزة والثانية في قلب القدس الغربية.
ولم يفلح الجيش الاسرائيلي الموجود فوق كل شبر من الاراضي الفلسطينية في ‏ ‏الحيلولة دون مقتل سبعة اسرائيليين وجرح حوالي 80 بعضهم في حالة خطيرة من جراء ‏ ‏العمليتين.
الاكثر من ذلك ان ارييل شارون الذي قاتل عرفات في بيروت عام 1982 وأخرجه ‏ ‏بقواته من لبنان، يقاتل عرفات ورفاقه مرة اخرى بعد عشرين عاما ولكن وجها ‏ ‏لوجه ومن فوق الارض الفلسطينية وليس هناك ما يمنع اذا استمر في نهجه العدواني ‏ ‏العنصري من ان تكون المواجهة القادمة بين الطرفين في قلب تل ابيب تماشيا مع حركة ‏ ‏التاريخ التي لا تعرف العودة الى الوراء. (كونا)