تحليل: العراق يعيد سلاح النفط إلى الفعل السياسي
أحدث القرار العراقي بوقف صادرات النفط، التي تزيد عن 2 مليون برميل يومياً، لمدة شهر كامل احتجاجاً على المجازر الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني هزة قوية في أسواق النفط العالمية وداخل الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص باعتبارها أكبر مستهلك على مستوى العالم للخام العراقي، حيث تحصل على أكثر من نصف صادراته، وتمثل الإمدادات العراقية حوالي تسعة في المائة من الواردات الأميركية الضخمة، وقد زاد من قوة تأثير القرار العراقي الأزمة السياسية التي شهدتها فنزويل،ا احد أكبر مصدر للنفط في العالم، مؤخراً والناتجة عن إضراب الإداريين في شركة النفط الحكومية، مما أدى إلى توقف معظم الشحنات وإغلاق كثير من حقول النفط وبالتالي توقف الصادرات النفطية إلى الولايات المتحدة والتي تمثل 13 في المائة من وراداتها من الوقود.
وعلى الرغم من المحاولات التي جرت لامتصاص تأثير القرار العراقي على أسعار النفط، إلا أن القرار سرعان ما ظهرت انعكاساته من خلال ارتفاع الأسعار من جهة وتراجع المخزون الأميركي من 7.3 مليون برميل إلى 3.18 مليون برميل خلال خمسة أيام فقط حسب تقديرات المعهد الأميركي للنفط من جهة أخرى. وهو ما ألقى بظلال قاتمة على الجهود المبذولة لإخراج الاقتصاد الأميركي من حالة الركود التي يمر بها، وهو ما دفع آلن غرينسبان رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي إلى القول بأن ارتفاع أسعار الطاقة يستنزف القدرة الشرائية للمستهلكين، وأن النتيجة تأخير الانتعاش الاقتصادي الذي طال انتظاره.
الكميات التي خسرها السوق
جاءت الأزمة الأخيرة بعد أن تراجع إنتاج أوبك ليبلغ أدنى معدل له منذ العام 1992 حيث خفضت أوبك إنتاجها بنحو 5 ملايين برميل منذ بداية العام 2001 منها 1.5 مليون برميل تم تخفيضها مطلع العام الجاري كما خسرت السوق مؤخراً 2.2 مليون برميل من النفط العراقي بالإضافة إلى 1.2 مليون برميل من النفط الفنزويلي، وهو ما يعني أن تراجع إنتاج أوبك زاد عن ثمانية ملايين برميل يومياً، وإذا سلمنا بوجود فائض لدى أوبك يقدر بنحو خمسة ملايين برميل فإن هذا الفائض لن يستطيع سد النقص الحاصل في السوق خاصة وأن الكمية الرئيسة من هذا الفائض تملكها السعودية وهي تزيد عن ثلاثة ملايين برميل يومياً، إلا أن الإنتاج بالطاقة القصوى فيها يحتاج إلى 90 يوماً، وأظهر المسح أن إجمالي إنتاج الدول الإحدى عشرة الأعضاء في أوبك ارتفع في آذار/مارس الى 360 ألف برميل يومياً إلى 25.60 مليون برميل. وفي حال ارتفاع حجم الطلب ستتمكن أوبك من تحقيق أسعار عالية وإعادة اكتساب الحصة السوقية التي خسرتها جراء الخفض المتتالي.
وتعد الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط في العالم، إذ تستورد وحدها عشرة ملايين برميل من النفط يومياً، وهو ما يعادل نحو ربع واردات النفط العالمية. وأكدت دراسة نشرتها مؤسسة "بروكنغس"أن الشرق الأوسط سيظل مصدراً أساسياً للحصول على النفط بالنسبة للولايات المتحدة التي لن يحميها زيادة إنتاجها الوطني من النفط من ارتفاع الأسعار، لأن إنتاج النفط الأميركي مكلف جداً والاحتياطي محدود جداً فالفرق بين ما تنتجه الولايات المتحدة يومياً وما تستهلكه يبلغ حوالي 10 ملايين برميل، وهو فارق كبير جداً لا يمكن إغفاله.
وتأتي كندا والسعودية وفنزويلا ضمن ثلاث مراكز الأولى للدول المصدرة للنفط إلى الولايات المتحدة الأميركية، فيما يأتي العراق في المركز السادس، وإذا علمنا أن العراق كان يصدر 2.27 مليون برميل في اليوم، نصفها تذهب للسوق الأميركية، وتشكل 9 في المائة من الواردات الأميركية، إلى جانب تراجع حجم التصدير من فنزويلا بمقدار 1.2 مليون برميل من 2.6 مليون برميل في نهاية آذار/مارس و250 ألف برميل يومياً من المنتجات المكررة إلى السوق الأميركية القريبة وهو ما يمثل 13 في المائة من كل الواردات الأميركية من الوقود، فإن السوق الأميركية تكون قد خسرت نحو 20 في المائة من وارداتها النفطية خلال الفترة الماضية، وربما يمر بعض الوقت حتى تظهر التأثيرات المباشرة على الولايات المتحدة نتيجة وقف الصادرات العراقية لأن وصول النفط إلى الساحل الأميركي يستغرق 40 يوماً تقريباً ولذلك لن يرى أثر (هذا الحظر) على الفور.
وقد عبر وزير الطاقة الأميركي سبنسر ابراهام عن قلق إدارته من احتمال ارتفاع أسعار النفط، حيث قال إن "ارتفاع أسعار البنزين تشكل مصدر قلق كبير للإدارة لأنها تضغط على ميزانيات الأسر الأميركية العاملة وتزيد تكلفة السلع والخدمات وفي النهاية تضغط على الاقتصاد بما يمكن أن يؤثر في حياة الأميركيين.
وقالت إدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية إن أسعار الخام الأميركي يمكن أن ترتفع ما بين أربعة وسبعة دولارات لتتجاوز 30 دولاراً للبرميل على المدى القريب في حال توقف صادرات النفط العراقية وعدم قيام منتجين آخرين بسد العجز الناتج عن ذلك.
وقال ديف كوستيلو الاقتصادي بالإدارة "إذا لم يتم تعويض التوقف العراقي لمدة 30 يوماً فمن المحتمل جداً أن ترتفع الأسعار عن 30 دولاراً لفترة وجيزة".
وقد دفع القلق من ارتفاع أسعار الطاقة إدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة إلى إصدار تقرير تحليلي يومي عن إمدادات الطاقة العالمية، وكانت الإدارة تنشر تقريراً تحليلياً مرتين أسبوعياً منذ هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الماضي.
عوامل التهدئة
يقول خبراء النفط إن هناك عوامل ساعدت في تهدئة رد فعل السوق على نقص كميات الإنتاج منها وجود مخزون من النفط الخام أعلى من المتوسط، ووجود فائض في الطاقة الإنتاجية يبلغ خمسة ملايين برميل يومياً وتوفر مخزون طوارئ كبير في الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء في أوبك تجاوزت حصصها الإنتاجية الرسمية في الأسابيع الأخيرة ليرتفع حجم إمدادات المنظمة للسوق نحو 1.3 مليون برميل يومياً عن السقف الرسمي للمنظمة البالغ 21.7 مليون برميل يومياً إلا أن ذلك لم يعوض السوق عما فقدته، وبقيت السوق مفعمة بالتوتر والقلق.
فرص ارتفاع الأسعار
ويرى العديد من الخبراء أنه على الرغم من العوامل السابقة المساعدة على استقرار أسعار النفط إلا أن فرص زيادة الأسعار تبدو كبيرة في المستقبل، في ظل احتمالات تصاعد العدوان الإسرائيلي والتهديد بشن حرب بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق.
وفي هذا السياق قالت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري إن الارتفاع الأخير في أسعار النفط بما يتراوح بين سبعة وثمانية دولارات للبرميل قد نجم عن مخاطر جيوبولتيكية متركزة بصفة أساسية على العراق والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني". بالإضافة إلى عوامل أخرى نلخصها في النقاط التالية:
- زيادة الطلب الأميركي على النفط بسبب زيادة الاستهلاك مع استعداد مصافي التكرير لزيادة إنتاجها من البنزين استعداداً لفصل الصيف الذي يشتد فيه الطلب مع وصول استخدام السيارات إلى ذروته علاوة على الرحلات بالطائرات في موسم العطلات بالولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم. وأكدت الإدارة الإحصائية لوزارة الطاقة الأميركية أن الطلب على البنزين وحجم إنتاجه في آذار/مارس الماضي سجلا مستوى قياسياً وأظهرت البيانات المبدئية أن الطلب على البنزين بلغ الشهر الماضي 8.5 مليون برميل يومياً في المتوسط، وأن حجم الإنتاج بلغ 8.1 مليون برميل في اليوم. وبلغت واردات البنزين الشهر الماضي 487 ألف برميل في اليوم لتسجل أعلى مستوى لها على الإطلاق.
- كما ارتفعت أسعار الوقود بمقدار 25 سنتاً للجالون أو بنسبة 20 في المائة منذ أوائل آذار/مارس ويمكن أن تزيد عن ذلك وتهدد الانتعاش الأميركي إذا تمسك العراق بقراره، وأضافت الإدارة أن إجمالي الطلب على النفط خلال مارس بلغ 19.1 مليون برميل في اليوم وهو أدنى مستوى لهذا الشهر منذ عام 1998 . وفي الشهور الثلاثة الأولى من العام انخفض استهلاك البنزين 600 ألف برميل في اليوم بنسبة ثلاثة في المائة إلى 19.2 مليون برميل مقارنة بالفترة المقابلة من العام الماضي.
- الحاجة لتعويض المخزون الاستراتيجي سواء في الدول الصناعية أو في الولايات المتحدة والذي هبط بأكثر من خمسة ملايين برميل في غضون أيام قلائل.
- استمرار التزام منظمة أوبك بقيود صارمة على الصادرات التي اتخذتها في وقت سابق لوقف تراجع الأسعار. فقد استبعد علي رودريجيز الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) مجدداً زيادة إنتاج المنظمة في اجتماعها المقرر في السادس والعشرين من حزيران/يونيو القادم رغم الحظر الذي فرضه العراق على صادراته النفطية لمدة شهر والاضطرابات التي عرقلت الإمدادات من فنزويلا وقال رودريجيز "لدي قناعة بأن أوبك ستحافظ على مستوى الإنتاج".
- نمو الطلب على النفط حيث قالت وكالة الطاقة الدولية في 10 نيسان/أبريل إن الطلب العالمي على النفط سيستأنف النمو هذا الربيع بعد تراجعه طوال ثلاثة أرباع على التوالي ولكن العام الحالي لا يزال يعاني كساداً وقد يتأثر أكثر بارتفاع أسعار النفط.
وفي تقريرها الشهري عن سوق النفط رفعت وكالة الطاقة تقديرها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2002 بواقع 20 ألف برميل فقط زيادة على تقديراتها السابقة بنمو قدره 440 ألف برميل يومياً وذلك بعد أن خفضت الوكالة تقديراتها للنمو بشكل متكرر في التقارير السابقة.
ورفعت الوكالة تقديراتها للطلب على النفط في الفترة من نيسان (/بريل إلى حزيران/يونيو من هذا العام بمقدار 190 ألف برميل يومياً مقارنة مع توقعاتها بانكماشه بمقدار 90 ألف برميل يومياً.
- احتمال تمديد العراق لحظره شهراً آخر وكذلك انضمام دول أخرى إلى العراق ووقف صادراتها النفطية أو تخفيضها أو تعطل بعضها لسبب من الأسباب.
وفي ظل المعطيات السابقة فإن احتمال ارتفاع الأسعار في المستقبل تبدو كبيرة، فبعد أن سجلت أسعار النفط عقب إعلان العراق عن وقف صادراته النفطية لمدة شهر كامل بنحو 1.26 دولاراً للبرميل الواحد ليرتفع سعر البرميل إلى أعلى مستوى له منذ ستة أشهر، كما زاد سعر الخام بنحو 30 في المائة منذ نهاية شباط/فبراير الماضي. و
توقع الشيخ أحمد زكي اليماني وزير النفط السعودي السابق أن يرتفع سعر برميل النفط في كانون الأول/ديسمبر القادم إلى أكثر 30 دولاراً أي بزيادة 13 دولاراً عن سعره في نفس الفترة من العام الماضي، وخلص إلى أن ذلك لو حدث فإنه سيستنزف 0.75 في المائة من معدل النمو الاقتصادي الدولي لعام 2003.
وقد أيدت احتمال ارتفاع الأسعار دراسة نشرتها مؤسسة "بروكنغس" جاء فيها: أن منطقة الشرق الأوسط التي تحتوي على ما بين ثلثي إلى ثلاثة أرباع الاحتياطي العالمي المحقق من النفط ستظل تشكل رهاناً أساسياً بالرغم من تنامي دور روسيا ودول حوض قزوين.
وقالت المؤسسة إنه في حال حدوث أزمة في الشرق الأوسط تؤدي إلى سحب 7 ملايين برميل يومياً من السوق ولفترة طويلة، يمكن أن يرتفع سعر البرميل إلى 75 دولاراً، وهي النتيجة نفسها التي يمكن أن تحدث في حال قررت الولايات المتحدة استخدام 2.5 مليون برميل يومياً من احتياطها النفطي.
مستقبل غامض للاقتصاد الأميركي
أما على صعيد الاقتصاد الأميركي فيمثل ارتفاع سعر النفط مشكلة حقيقية للاقتصاد الأميركي، إذ أنه سيؤدي إلى موجة عامة من ارتفاع الأسعار بسبب ارتفاع تكلفة النقل المباشر من جهة، وارتفاع تكلفة السلع القائمة على منتجات نفطية مثل البلاستيك والإطارات من جهة أخرى.
ويعني هذا الارتفاع العام في الأسعار انخفاض القدرة التنافسية للمنتجات الأميركية سواء في الأسواق الداخلية أو الخارجية. وهو ما يؤدي إلى تراجع النمو في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأميركي من دورة انكماش لم يخرج منها حتى الآن.
وهو ما أكده رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي آلان جرينسبان بقوله إن خطى الانتعاش الاقتصادي الأميركي ما تزال "غامضة" نتيجة للضغوط التي تفرضها أسعار النفط المرتفعة على نمط الإنفاق الاستهلاكي. وقال جرينسبان إن الانخفاض في أسعار الطاقة الذي تلازم مع خفض أسعار الفائدة والذي ساعد على الخروج من حالة الركود التي ضربت الاقتصاد في أواخر العام الماضي "سيكون أقل فائدة على الأرجح خلال الشهور المقبلة".
وأشار جرينسبان إلى أن "جميع النكسات الاقتصادية التي شهدتها الولايات المتحدة منذ عام 1973 عندما أصبح النفط عنصر تكلفة بارز في التجارة، كانت مسبوقة بارتفاعات حادة في أسعار النفط".
وذهب الكاتب جيم أندرسون إلى القول إن أزمة الشرق الأوسط تطول جيب المواطن الأميركي فالأزمة ليست صور للضحايا والدمار بل لعنة مثلثة تجلب زيادة معدل التضخم، وتباطؤ التغلب على الركود وزيادة معدل البطالة تلك اللعنة المثلثة التي تنفر منها أي حكومة تعتزم خوض السباق من أجل إعادة انتخابها.
ما يمكن قوله إن القرار العراقي أحدث هزة في سوق النفط العالمي والأميركي بشكل خاص، وزاد من حالة عد الاستقرار التي تعيشه هذه السوق والتي يمكن أن تنطوي على آثار مدمرة، وخاصة أن الاقتصاد الأميركي ما برح يتعافى من الركود الناجم عن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، فارتفاع أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى وأد حالة الانتعاش الاقتصادي وهي في المهد، والنتيجة ستكون كارثية للولايات المتحدة التي تستورد عشرة ملايين برميل من النفط يومياً. كما لن يقتصر ارتفاع الأسعار على الاقتصاد الأميركي بل سيضر بالاقتصاد العالمي بعد أصبحت السوق النفطية مقياساً حساساً لمستقبل الأسواق العالمية الأخرى فما تؤكده بيانات بورصة لندن هو أن "جو عاصف يلوح في الأفق". (ق.ب)