ماذا تم في مشروع العقبة بعد عام من بدايته؟

العقبة - من فيصل الشبول
توقعات بان يجتذب قطاع السياحة نحو نصف الاستثمارات في منطقة العقبة

تبدو العقبة بعد عام من اعلانها منطقة اقتصادية خاصة موضع تساؤل وتكهنات حول مضمون التغيير المطلوب فيها ومدى الرهان على نجاح التجربة وفي اي اتجاه تسير او يتوجب ان تسير.
وكثر الحديث عن العقبة ومستقبلها في الفترة الاخيرة لسببين رئيسين: الاول السؤال المباشر الذي وجهه الملك عبد الله الثاني مؤخرا الى رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة: متى نرى الجرافات تعمل في العقبة؟
والثاني من مناسبة مرور عام على اعلان العقبة منطقة اقتصادية خاصة، والاجراءات المتخذة على الأرض لتنفيذ هذا المشروع.
ولعل السؤال الاكثر الحاحا والذي يدور همسا وعلانية في هذا الشأن هو: هل نجح المشروع؟ واي مشروع نريده من العقبة؟ وماهي النماذج الاقرب الى مضمون المنطقة الاقتصادية الخاصة في التجارب الاقليمية والعالمية؟
هل ينبغي تكرار تجربة دبي في تجارة للخدمات؟ ام جبل علي كمشروع صناعي الى جوار مركز الخدمات في دبي؟ ام سنغافورة ام هونغ كونغ؟
ثم تتبع اسئلة اخرى في شان التنفيذ: ما الذي تحقق خلال عام، وهل كان ضمن ما هو خطط ؟ هل تعثرنا؟ هل نمضي قدما؟ ماهي مؤشرات المستقبل القريب؟ واخيرا هل تعتبر حركة السوق في العقبة مؤشرا على تعثر المشروع.
وقبل الشروع في الحديث عن واقع العقبة ومستقبلها نقرا في اهداف المشروع. انه مشروع منطقة متعددة القطاعات الاقتصادية ومنخفضة الضرائب ومعفاة من الرسوم. ويسعى المشروع الى استقطاب استثمارات مقدارها ستة مليارات دولار خلال العقدين المقبلين موزعة على النحو الاتي: 50 بالمائة في قطاع السياحة و 30 بالمائة في قطاع الخدمات و 20 بالمائة في قطاع الصناعة وهذا مؤشر على شكل التجربة الذي يشبه تجارب كثيرة في العالم.
اما في المضمون فمن المتوقع ان تتيح هذه الاستثمارات نحو سبعين الف فرصة عمل. اي ان مجتمع العقبة سيتضاعف عدة مرات خلال عقدين من الزمان اذا ما اشغلت هذه الفرص فعلا مع الاخذ بعين الاعتبار اقامة العمال وعائلاتهم في المدينة.
وفي السؤال عما تحقق خلال عام نجد انه تم تسجيل 818 مؤسسة وان حجم مجمل المشاريع يبلغ نحو 100 مليون دينار 80 بالمائة منها في القطاع التجاري و16 بالمائة في القطاع السياحي و 4 بالمائة في القطاع الصناعي.
ويتبين ان ما نسبته 39 بالمائة من مجموع المؤسسات المسجلة تستثمر في العقبة لاول مرة وان ما نسبته 11 بالمائة من هذه المؤسسات لها مشاركة كلية او جزئية برأسمال شريك اجنبي.
وفي الملاحظات الميدانية نجد ان العقبة اصبحت مدينة نظيفة ليس فقط في نظافة وجمال شوارعها وشطآنها بل وفي اختفاء مظاهر فوضى السوق التي كانت ظاهرة في السابق، فهنالك تنظيم لافت يلاحظه الزائر والمواطن على حد سواء.
لكن هذا الجمال الغالب تحد منه صور سلبية موازية لا يلاحظها كثيرون من زوار المدينة وخصوصا في منطقتي الرابعة حيث التشوهات السكنية والاعتداءات على الشوارع والارصفة والنفايات وشارع الفران حيث المحلات الحرفية القديمة المهجورة بعد نقلها الى منطقة جديدة.
وسألنا رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة عقل بلتاجي لماذا لا تبدأ الجرافات من هنا؟ واجاب: مازلنا بانتظار قرار القاضي ولكننا نأمل ان تبدأ خلال العام الحالي. وتابع لا توجد مدينة بلا احياء فقيرة ولكن هذه الاحياء يجب ان تكون منظمة. نحن نقوم بواجبنا ولكننا نناشد المواطنين ان يساعدونا.
وسجلت حركة البناء ارتفاعا نسبته 25 بالمائة خلال الأشهر الثلاثة الاولى من العام الحالي عن نفس الفترة من العام الماضي. وتركزت هذه الانشاءات الجديدة في قطاعي السياحة والفنادق والتجارة.
واستقطبت العقبة حركة تجارية نشطة طوال العام الماضي. ولكن هذه الاسعار ارتفعت من جديد لتتساوى تقريبا مع الاسعار في عمان وهو ما يفسر تناقص اعداد زوار العقبة في هذه الايام.
ولعل ما زاد في هذه الظاهرة قرار تخفيض سقف المواد المسموح باخراجها من العقبة للشخص الواحد دون رسوم جمركية من مئتي دينار الى مئة دينار. وهذه الظاهرة كانت لافتة للانتباه من حيث عدد زوار العقبة يوميا وحمولة السيارات وباصات الركاب من البضائع. ويشعر تجار العقبة بألم بسبب تناقص الحركة التجارية بصورة ملحوظة خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة على وجه الخصوص.
وفي المقابل فان العقبة ممثلة بسلطتها تعتقد ان المشروع لم يقم في الاصل على تنمية الحركة التجارية على هذا النحو المستفيد من فارق الاسعار والناجم عن الاعفاءات الجمركية في المنطقة الخاصة.
وعلاوة على كل ذلك فان الموسم السياحي مازال يعاني من تصاعد وتيرة الاحداث في المنطقة مما يلقي بظلاله على العقبة بصورة تبدو وكانها جزء من عوامل الاحباط التي تواجه المشروع.
نسال رئيس سلطة العقبة عقل بلتاجي عما تحقق خلال عام فيجيب بلا تردد: "تحقق الكثير ولكن سقف التوقعات لدى المواطن العادي اكبر بكثير منها لدى المخطط وصاحب القرار".
ويتابع: "ايقاع العقبة اصبح منظما. ذهب عهد الصخب وانتظمت حركة السوق وشكله. لدينا اليوم ثقافة ووعي لما يجري وللاهداف المتوخاة منه".
ويضيف: "الجرافات بدأت فعلا وهي التي هيأت المواقع بعدما ازيلت الالغام «لنبني الامل والحياة». وثائق العطاءات انجزت مثلما انجز الكثير من الطريق الخلفي لمصلحة استثمار الطريق الساحلي على الوجه الاكمل وبنيت المستودعات واقيمت صناعات واقرت التشريعات كما وضعت وثائق العطاء للمطور ولمنطقة الشاطئ الشمالي".
ويرى رئيس منطقة العقبة ان التطوير هو البداية الحقيقية لان تهيئة العقبة للاستثمار يحتاج الى انفاق كبير. وقد استقر البحث في هذا الشان على فكرة المطور «المدير» بهدف تهيئة البنى التحتية وادارة وتطوير المنطقة الخاصة تسويقا وترويجا واستدراجا للشركات الكبرى في قطاعات الخدمات والصناعة والنقل وغيرها.
وقد تم استقدام اربعة مطورين اجانب يجري البحث معهم حاليا في الشروط والمعايير وسيتم اختيار احدهم كمطور معتمد للعقبة في نهاية الشهر المقبل حيث من المنتظر ان تقوم شركة بين المطور والقطاع الخاص وربما تساهم فيها بعض الصناديق الاستثمارية الوطنية.
ويرد بلتاجي على اسئلتنا: "لسنا دبي ولاجبل علي. مشروعنا هو ادخال مدينة كاملة في مفهوم السوق الحرة. كل من يعمل هنا عليه ان يمارس الشفافية والعلنية وسيجد انه لابد من ذلك سيما ان كل ما ستتقاضاه السلطة منه سيكون 5 بالمائة من صافي الربح ودون اي رسوم او ضرائب اخرى".
وفي وسط المدينة وقرب الشاطئ بدات عمليات التطوير التي تعترضها مشكلات كبيرة من حيث شروط اصحاب الارض ونزاعات الملكية والمشاريع الفردية الصغيرة والمشوهة لحلم المشروع. وبالرغم من ذلك فان حركة البناء والاستثمار في القطاع السياحي تبدو جيدة. فهنا يقوم اكبر فندق في العقبة مكان فندق العقبة قديما سيحتوي على 450 غرفة وهو استثمار للضمان الاجتماعي بكلفة 35 مليون دولار ينتظر ان ينجز العام المقبل.
وبالقرب منه تم هدم فندق "كورال بيتش" بعد شراء الأرض من قبل رجل اعمال تركي بمبلغ 22 مليون دولار لاقامة فندق جديد. وهناك مشروع قيد الاعداد لسلسلة مطاعم برجركنج على مساحة 16 دونما سيشتمل على مطاعم ومخابز في وسط المدينة. وهنالك ايضا عدة مشاريع تجارية قيد الانشاء وعلى الشاطئ الجنوبي حفرت البحيرة والطريق الخلفي لاضخم مشروع سياحي تالا بي والذي سيشكل راس المال الاردني 82 بالمائة من مجموع الاستثمار فيه والبالغ 450 مليون دولار خلال سبع سنوات ويتكون من 3 فنادق 4 نجوم و 5 نجوم وملاعب ومرافق وقرى سكنية متكاملة.
واما الميناء، والذي تبلغ مساحته الف دونم، فان التفكير يتجه لنقله جنوبا بحيث يبقى القسم الشمالي منه للسفن السياحية والركاب.
ويتساءل بلتاجي عن راس المال الوطني في مشروع الميناء والذي يبدو فيه الربح مضمونا. ومن المشروعات التي بدأت فعلا او هي قيد التنفيذ في العقبة خصخصة مركز الغوص باستثمار 2 مليون دولار ومشروع كاميرا للاسمدة وهو مشروع اردني فنلندي باستثمار 106 ملايين دولار وهو مشروع قائم وكذلك مركز للتسوق والترفيه مع فندق باستثمار 7 ملايين دولار ومركز تجاري على مساحة 35 دونما باستثمار 14 مليون دولار.
ونعود للاسئلة الاولى حول مشروع العقبة وما تحقق منه لنجد انه في الوقت الذي بدا فيه العمل في البنى التحتية وبادر المستثمرون لاقامة عدد من المشاريع من جهة ونشطت وانتظمت فيه حركة السوق ثم تباطات فان هنالك عدة مشكلات مازالت تقف في وجه المشروع.
ويمكن تلخيص مجمل هذه الاسباب بسبعة نوردها من دون ترتيب اهميتها واولوياتها. اول هذه الاسباب هجوم 11 ايلول/سبتمبر وما تبعه من حرب على الارهاب جعلت المنطقة برمتها تدفع ثمن تلك الاحداث وتبعاتها.
السبب الثاني تصاعد وتيرة العدوان الاسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني ودخول المنطقة منذ اكثر من عام اجواء حرب حقيقية.
السبب الثالث ووفقا لرئيس سلطة المنطقة فان المشروع يحتاج الى وقت كي نرى الانجاز على الارض ولايمكن ان يتحقق بين ليلة وضحاها.
السبب الرابع هو ان سقف التوقعات من المشروع كان عاليا بحيث يظهر اي انجاز اقل من المتوقع. السبب الخامس هو استقطاب المطور العالمي للمشروع اي الخبرة الضرورية لاقامة المشروع على اسس علمية صحيحة.
السبب السادس ذهنية الناس من حيث تقبلها للتغيير من جهة واستعدادها لتكون جزءا منه من جهة اخرى. السبب السابع والاهم هو راس المال وفي مقدمته راس المال الوطني الذي تبدو مشاركته حتى الان متواضعة في المشروع.
وعلى العموم فان العقبة بعد عام من اعلانها منطقة اقتصادية خاصة شهدت تغيرا ملحوظا ولكن مساحة الحلم مازالت ضيقة. والوعد بانتظار ظروف اقليمية تتبدل وجهد وطني ينهض بالمشروع.