الجزائر: اربعون عاما من الاستقلال، ولا تزال العلاقة مضطربة مع فرنسا
الجزائر - في الخامس من تموز/يوليو الجاري تطوي فرنسا والجزائر اربعين عاما من العلاقات التي شهدت اضطرابات كثيرة منذ استقلال المستعمرة الفرنسية السابقة عام 1962، وصلت احيانا الى حد الاحتدام، لكن دون ان تبلغ ابدا نقطة اللارجوع.
واجري الاستفتاء حول استقلال الجزائر في 1 تموز/يوليو 1962. وفي 3 تموز/يوليو، اعترف الجنرال شارل ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك رسميا بالجزائر، غير ان الجزائريين اصروا على الاحتفال باستقلالهم في الخامس منه، يوم ذكرى استسلام الداي حسين حاكم مدينة الجزائر في 5 تموز/يوليو 1830 امام الماريشال دو بورمون، وهو تاريخ بدء الاستعمار الفرنسي للجزائر.
وبدأ التوتر منذ اشهر الاستقلال الاولى بين البلدين، مفتتحا حقبة من العواصف والانفراجات، بالرغم من اتفاقات ايفيان التي كان من المفترض ان تضفي الاستقرار الى هذه العلاقات، غير انها بدأت تنهار مع تعاقب الانتهاكات من الطرفين.
وبعد اقل من عام على الاستقلال، طالب الرئيس احمد بن بلا (1963-65) في آذار/مارس 1963 باعادة النظر في هذه الاتفاقيات، احتجاجا على تجربة نووية فرنسية في الصحراء الجزائرية.
ومنذ سنوات الاستقلال الاولى، قررت فرنسا تحت ضغط اصحاب كروم العنب الفرنسيين التوقف عن شراء الخمر الجزائري. وكان لهذه المشكلة تأثير كبير على العلاقات بين البلدين وحملت السلطات الجزائرية على اقتلاع قسم كبير من الكروم.
وبعد انقلاب 16 حزيران/يونيو 1965 الذي اطاح الرئيس بن بلا، شهد عهد الرئيس هواري بومدين، وهو شخصية قومية صارمة، العديد من الازمات، طرأت اخطرها في 24 شباط/فبراير 1971.
وقد اعلن بومدين تأميم خطوط انابيب النفط والغاز الطبيعي و51% من اموال الشركات النفطية الفرنسية في خطاب القاه بمناسبة ذكرى انشاء الاتحاد العام للشغل الجزائري.
واثار هذا الاجراء صدمة حقيقية لدى القوة المستعمرة السابقة التي احتجت عليه. وساءت العلاقات بين البلدين وقطعت المفاوضات النفطية واعلنت باريس في نيسان/ابريل 1971 الغاء "العلاقات المميزة" مع الجزائر.
وحصلت في ذلك الوقت سلسلة اعتداءات استهدفت جزائريين في فرنسا لقيت اصداء كبيرة في الصحف ووسائل الاعلام، من غير ان يعرف ما اذا كانت المسألة على ارتباط بتأميم المحروقات والازمة المحتدمة بين البلدين.
وكانت الصحف الجزائرية آنذاك تنقل بشكل شبه يومي اخبارا عن مقتل جزائريين ينعتون بـ"العنصريين". واحتجت الجزائر مرارا، موجهة اصابع الاتهام الى "الذين يحنون الى الجزائر الفرنسية". وفي اعقاب ذلك، اعلن بومدين في ايلول/سبتمبر 1973 تعليق حركة الهجرة الجزائرية الى فرنسا، مما حرم آلاف الجزائريين من العمل.
واوشكت العلاقات بين البلدين مرة جديدة على القطيعة بين 1991 و1994.
وقد شهدت هذه الحقبة سلسلة من الاحداث والازمات اثارت تدهورا في هذه العلاقات، من الغاء الجولة الاولى من الانتخابات التشريعية الجزائرية في كانون الاول/ديسمبر 1991 وموقف فرنسا الاشتراكية التي اتهمت بـ"التدخل" في الشؤون الجزائرية، ثم احداث العنف الاسلامية التي استهدفت الاجانب ولا سيما الفرنسيين، واخيرا في كانون الاول/ديسمبر 1994 عملية الخطف الدامية لطائرة ايرباص تابعة لشركة اير فرانس.
ودخلت العلاقات الفرنسية الجزائرية مرحلة جمود طويلة، مع صدور مرسومين في الشهر ذاته يشددان شروط استقبال واقامة الجزائريين في فرنسا.
وظلت هذه العلاقات تتردد بين القطيعة والمصالحة بالرغم من زيارة الرئيس فاليري جيسكار ديستان الى الجزائر عام 1975، ثم زيارة فرنسوا ميتران عام 1984.
وكان الرئيس الشاذلي بن جديد اول رئيس جزائري زار باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 1983، تلاه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في حزيران/يونيو 2000.
وبالرغم من ان هذه الزيارة الاخيرة ادت الى تحريك الاوضاع، الا انها جاءت بعد ازمة بين العاصمتين بسبب تصريحات ادلى بها مسؤولون فرنسيون حول انتخاب بوتفليقة المثير للجدل في نيسان/ابريل 1999، واعتبرت "مثيرة للصدمة" في الجزائر.
وبالرغم من البساط الاحمر الذي مد لاستقبال بوتفليقة، الا ان الرئيس الجزائري لم يخف خيبته واعتبر انه عاد الى الجزائر "بخفي حنين".
ومازالت العلاقة بين البلدين معقدة ومزدوجة، فمن جهة يعيش ملايين الجزائريين ويعملون في فرنسا، ويحلم ملايين آخرين من الشباب الجزائري باللحاق بهم بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة بالجزائر لتصبح احدى اعلى النسب بالعالم العربي. ومن جهة اخرى يرفض الجزائريون ان تتدخل فرنسا في شئونهم ويحملها الكثيرون مسئولية تدهور الاوضاع في بلادهم.
الجزائريون يكرهون فرنسا، لكن كثيرين من شبابهم يريدون الهجرة اليها. ويرفضون النفوذ الفرنسي، لكن يعتزون باللغة الفرنسية. ويهاجمون السياسات الفرنسية لكن لم يقطعوا علاقاتهم بها. وتبقى علاقة البلدين دائما خاصة وغريبة دون ان تبلغ نقطة اللاعودة.