الدول الغنية تتجاهل ازمة مليار جائع
حظيت مشكلة الجوع المزمنة التي تضرب العديد من الدول خلال الأسابيع القليلة الماضية باهتمام إعلامي كبير، وذلك على خلفية المؤتمر الدولي الذي نظمته الأمم المتحدة في العاصمة الإيطالية روما لمتابعة جهود مكافحة الجوع في العالم. لكن هذا الاهتمام سرعان ما تلاشى بانتهاء أعمال القمة رغم خطورة المشكلة ونتائجها الكارثية، وذلك بسبب تغاضي الدول الغنية عنها، وعدم إنجازها لوعودها السابقة وخاصة تلك التي اتخذت خلال قمة الغذاء التي عقدت قبل ست سنوات والقاضية بخفض عدد الجياع من حوالي 840 مليوناً إلى نحو 400 مليون شخص بحلول عام 2015 بسبب غياب التمويل الكافي من جهة، واستمرار الأزمات المسببة للمشكلة من جهة أخرى.
أبعاد المشكلة
بداية لا بد من التأكيد على أن حجم المشكلة غير محدد بشكل كافي. وباستثناء تقارير منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" لا توجد إحصاءات مستقلة حول حجم الكارثة التي يقضي بسببها أعداد كبيرة من الناس. فحسب بعض التقديرات يموت كل يوم ما يزيد عن 24 ألف شخص بسبب الجوع، وإذا كانت الأمم المتحدة تؤكد أن هناك أكثر من 1.2 مليار شخص يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم فهؤلاء لا يخرجون من قائمة الجياع بلا شك.
وعلى الرغم من أن العالم ينتج من الغذاء أكثر مما يستهلك لكن هذا الإنتاج لا يصل للمحتاجين إليه، وبحسب تقارير "الفاو" فإن واحداً من كل سبعة لا يجد ما يكفيه من الغذاء وأغلب هؤلاء من سكان جنوب آسيا وجنوب الصحراء بأفريقيا، أي لا يزال هناك 815 مليون شخص حتى اليوم منهم 777 مليوناً في الدول النامية، و27 مليوناً في دول الكتلة الشرقية سابقاً، و11 مليوناً في الدول المتقدمة، يواجهون خطر المجاعة، وإذا ما تحققت توقعات "الفاو" المتفائلة فإن عدد هؤلاء الأشخاص سينخفض إلى نحو 600 مليون شخص بحلول عام 2015، أي أنه بالوتيرة السابقة، فإن الهدف بتخفيض العدد إلى النصف لن يتحقق إلا بعد 45 عاماً.
وفشلت قمة روما التي عقدت في الفترة من 10-13 حزيران/يونيو الماضي لمكافحة الجوع في إيجاد إرادة سياسية لتنفيذ تعهداتها السابقة بخفض عدد الجياع في العالم بمقدار النصف بحلول عام 2015، بسبب الخلافات بين الدول المشاركة وغياب معظم الدول الغنية عنها، وهذا الفشل أكده الدكتور جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة بقوله: إنه "بعد ست سنوات من انعقاد مؤتمر القمة العالمي للأغذية عام1996 ، فلا زال ناقوس الخطر يدق للكثرة الكثيرة من الجياع في كوكب الأرض. ولم تتحقق الوعود والعهود، بل والأدهى من ذلك أن الأفعال تناقض الأقوال. ويا للأسف، لم تكن الإرادة السياسية والموارد المالية حاضرة في الموعد المنتظر مع التضامن الإنساني".
وقال "إن الجوع يؤثر تأثيراً سلبياً شديداً على اقتصاديات البلدان التي ابتليت به، إذ أنها تفقد نحو واحد في المائة سنوياً من نموها الاقتصادي بسبب انخفاض الإنتاجية وبسبب الأمراض ذات الصلة بالتغذية".
أسباب الفشل في مواجهة مشكلة الجوع
تلقي منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" أسباب الفشل في عدم تحقيق تقدم كافي في خفض عدد الجياع في العالم إلى نقص التمويل المالي وعدم كفاية رؤوس الأموال المخصصة التي تقدمها الدول الغنية حيث تقدم هذه الدول مساعدات للدول النامية تبلغ قيمتها نحو 68 مليار دولار سنوياً في الوقت الحالي بعد أن تم تخفيض المساعدات الإنمائية للدول النامية بمقدار النصف خلال عقد التسعينيات، لكن منظمة الفاو تقترح "برنامجاً عالمياً لمكافحة الجوع" يتطلب 24 مليار دولار من الاستثمارات العامة الإضافية في الدول الفقيرة سنوياً لخفض معدلات الجوع في العالم إلى النصف بحلول عام 2015.
وأضافت المنظمة أن الفشل في توفير هذا المبلغ يعني أن نحو 600 مليون من سكان العالم سيظلون يعانون من الجوع بحلول الموعد السابق، كما تطالب المنظمة الدول النامية من جهة أخرى بزيادة موازناتها الخاصة بالزراعة بمعدل 20 في المائة، وذلك من 40 مليار دولار إلى 48 ملياراً في السنة.
وقالت المنظمة في إطار دعوتها لبرنامج جديد لمكافحة الجوع إن "خفض عدد الجياع إلى النصف من المتوقع أن يحقق عوائد اقتصادية تبلغ قيمتها 120 مليار دولار سنوياً على الأقل نتيجة لحياة أطول وصحة أفضل لجميع المستفيدين من البرنامج".
وينتاب العديد من خبراء الزراعة وإنتاج الغذاء في العالم القلق من مستقبل مشكلة الجوع ويؤكدون على أن الأزمة ستتفاقم مع مرور الوقت، وأن الجهود المبذولة حالياً ستذروها الرياح نتيجة تزايد العوامل المسببة للجوع من نقص الغذاء وزيادة الفقر وانتشار الأوبئة ونقص المياه والتصحر علاوة على استمرار الحروب وتدفق اللاجئين والكوارث الطبيعية وبالتالي زيادة عدد الجياع، وللوقوف على الأبعاد المستقبلية للمشكلة سنعرض فيما يلي لأهم العوامل المسببة:
أ - نقص المياه والجفاف: تقدر التقارير المختصة عدد الأشخاص الذين لا يحصلون علي مياه شرب آمنة ونقية في الوقت الحاضر بحوالي 1.1 مليار شخص، وهناك أيضاً 2.5 مليار شخص ممن لا تتوافر لهم وسائل النظافة الصحية، كما أن أكثر من 5 ملايين شخص يموتون سنوياً لما تسببه المياه الملوثة، فيما تجمع التقارير الدولية الصادرة في هذا الخصوص على أن أكثر من نصف سكان العالم سيعيشون في مناطق تعاني من شح المياه خلال الثلاثين عاماً المقبلة، وأن هذه الأوضاع ستلقي بظلالها الكئيبة علي الصورة المستقبلية للعالم.
وحذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو" من أن استمرار الجفاف واستئصال الغابات وندرة موارد المياه تهدد الزراعة في 29 دولة يقطنها عشر سكان العالم. وقالت "الفاو" في إشارة إلى 29 دولة تمتد من المغرب في شمال أفريقيا وموريتانيا على المحيط الأطلسي إلى باكستان وقرغيزستان في آسيا الوسطى "ندرة المياه هي أخطر تحد يواجه الزراعة في جميع أنحاء الشرق الأدنى" وتغطي هذه الدول 14 في المائة من مساحة اليابسة في العالم ويربو إجمالي تعداد سكانها على 560 مليون نسمة لكن موارد المياه فيها تمثل 2 في المائة فقط من مصادر المياه المتجددة في العالم.
ب - زحف المدن والمرافق والطرق على الأراضي الزراعية حيث سيصبح ثلثا الأراضي في العالم مهدداً من الآثار السلبية للنمو السريع وغير المخطط للبنى التحتية.
كما أن التوسع المتزايد للمدن وشق الطرق سيؤثر أيضاً على الثروة الحيوانية، وأشارت دراسة نشرت عام 2000 إلى 1.9 مليار شخص يعيشون في المدن الكبرى في الدول النامية، وفي عام 2030 سيصل هذا الرقم إلى 3.9 مليارات شخص.
وفي أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي يعيش 75 في المائة من السكان في مدن، وسيصل هذا الرقم إلى 83 في المائة عام 2030. أما في آسيا والمحيط الهادئ (باستثناء اليابان) فإن هذه النسبة ستزيد من 37 إلى 53 في المائة، وفي أفريقيا من 38 إلى 55 في المائة.
ج – تراجع الإنتاج العالمي من الحبوب، حيث تشير التقديرات إلى انخفاض مخزون العالم من الحبوب للعام الرابع على التوالي، كما أن محصول العام الحالي من الحبوب لن يكفي لتغطية الحاجات. وأكد هذا الانخفاض تقرير لمنظمة "الفاو" جاء فيه أن المخزون العالمي سيستقر في عام 2003 عند 515 مليون طن بانخفاض نسبته 9 في المائة.
وأضاف التقرير أن الإنتاج العالمي من الحبوب يفترض أن يبلغ 1905 ملايين في عام 2002، أي بزيادة 1.1 في المائة عن العام 2001.
د – التصحر، يعتبر التصحر من أشد الأخطار التي تهدد الحياة على الكرة الأرضية فهو مرض الأرض الأشد خطورة على الإنتاج الزراعي والحيواني، وقد حذر كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة من أن الجفاف والتصحر يهددان نمط حياة ملايين الأشخاص في مائة وعشرة بلدان في مختلف أنحاء العالم، حيث يضرب التصحر نحو 3.6 مليارات هكتار.
كما أن التصحر يلحق ضرراً كبيراً بالغطاء النباتي للأراضي المزروعة والمراعي والغابات ويترك تأثيرات سلبية جداً في التنوع الحيوي وخصوبة الأراضي ودورة المياه والمحاصيل والإنتاج الحيواني، لذلك فإن مكافحة التصحر يجب أن تدرج في إطار مكافحة الفقر والجوع.
و – التأثيرات السلبية للعولمة واتفاقيات التجارة العالمية على الدول النامية، فإغلاق أسواق الدول الغنية أمام سلع الدول الفقيرة أو وضع رسوم جمركية عالية ترتفع في حالة المنتجات الزراعية الأولية إلى 60 في المائة في المتوسط مقابل 4 في المائة على المنتجات المصنعة، والدعم الهائل الذي تقدمه هذه الدول لمزارعيها علاوة على إعانات التصدير سيؤدي كل ذلك إلى تدمير الزراعة في هذه الدول،.
وعلى سبيل المثال فإن قيمة الدعم المقدم إلى المزارعين في البلدان الغنية الثلاثين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 1999 تجاوزت مجموع الناتج القومي الإجمالي في كل البلدان النامية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. كما أن إجمالي التحويلات إلى قطاع الزراعة في بلدان المنظمة المذكورة عام 2000 بلغ 327 مليار دولار.
وقال الدكتور جاك ضيوف، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة مؤخراً: إنه "في حين يتلقى كل مزارع في بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي دعماً بقيمة 11000 دولار، فإن العامل الزراعي في البلدان النامية يحصل على 4.3 دولار فقط من المساعدة الإنمائية الرسمية في عام 1999 ".
هـ – فشل برامج التنمية: إن الضعف أو الانهيارات التي تعاني منها الاقتصاديات في الدول النامية فاقم من مشكلة الجوع، فتراجع التنمية الاقتصادية وغياب التمويل اللازم للمشكلات الاجتماعية مثل الفقر والبطالة وانعدام الدخل من أهم الأسباب التي تؤدي إلى انتشار الجوع، وتعتبر منظمة "الفاو" أن الجوع هي سبب ونتيجة في آن معاً للفقر.
بكلمة أخيرة إن مشكلة الجوع هي مشكلة إنسانية أخلاقية قبل أن تكون مشكلة اقتصادية، وهي حسب الأمين العام للأمم المتحدة "من أسوأ الانتهاكات التي تتعرض إليها كرامة الإنسان"، فكل التقارير المختصة تؤكد أن الدول الغنية تتلف سنوياً ملايين الأطنان من الأغذية للمحافظة على ارتفاع أسعارها بدل أن تقدمها للجياع في دول العالم المختلفة.
وفي ظل المعطيات المتوفرة فليس من المتوقع أن ينخفض عدد ضحايا الجوع في العالم إلا إذا اعتبرنا أن الموت جزء من الحل، فالإخفاق المتواصل في تحقيق الأهداف المنشودة للحد من تزايد أعداد ضحايا الجوع في العالم هو الغالب حتى الآن.